المواريث
موجبات الإرث
موجبات الإرث هي نسب وسبب.
فالأوّل (النسب) ثلاث مراتب:
الأُولى: الأبوان، والأولاد وإن نزلوا.
والثانية: الأجداد والجدات وإن علوا، والاخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا.
الثالثة: الأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن علوا، وأولادهم وإن نزلوا بشرط الصدق عرفاً.
والثاني: (السبب) قسمان: الزوجية والولاء: كولاء ضمان الجريرة، وولاء الإمامة.
موانع الإرث
موانع الإرث كثيرة: منها: ما يمنع من أصله وهو حجب الحرمان، ومنها ما يمنع من بعضه وهو حجب النقصان. فما يمنع من أصله أُمور:
الأوّل: الكفر أصلياً كان أو عن ارتداد فلا يرث الكافر من المسلم وإن كان قريباً. ويختص إرثه بالمسلم. وكلّ طفل كان أحد أبويه مسلماً حال انعقاد نطفته فهو مسلم حكماً، وكلّ طفل كان أبواه معاً كافرين حين انعقاد نطفته فهو بحكم
الكافر.
المسألة 1. المسلمون يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب. نعم الغلاة المحكومون بالكفر، ومن أنكر ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات والالتزام بلوازمه، كفار أو بحكمهم.
المسألة 2. الكفار يتوارثون وإن اختلفوا في الملل والنحل مع فقدان الوارث المسلم.
الثاني: القتل. فلا يرث القاتل من المقتول لو كان القتل عمداً وظلماً. ولا فرق في ذلك بين أن يكون القاتل واحداً أو متعدداً.
الثالث: التولد من الزنا. فلا توارث بين الطفل وأبويه، ولا بينه وبين المنتسبين إليهما إذا كان الزنا من الطرفين. وأمّا المتولد من الشبهة فهو كالمتولد من الحلال، ونكاح سائر المذاهب والملل لا يمنع من التوارث.
وهنا أُمور عُدّت من الموانع وفيها تسامح، كالحمل مادام حملاً فانّه لا يرث وإن علمت حياته في بطن أُمّه، ولكن يحجب من كان متأخراً عنه في المرتبة وفي الطبقة كالولد يمنع الأُخوة، ووجود طبقة متقدمة فإنّها عدت مانعة للطبقة المتأخرة، ووجود درجة متقدمة في الطبقات فإنّها مانعة للدرجة المتأخرة كالولد يمنع الإرث عن ولد الولد.
حجب النقصان
وأمّا حجب النقصان أي ما يمنع عن بعض الإرث فأمور:
الأوّل: قتل الخطأ وشبه العمد فإنّه يمنع القاتل عن إرث خصوص الدية.
الثاني: أكبر الأولاد الذكور فإنّه يمنع الورثة عن خصوص الحبوة.
الثالث: الولد مطلقاً فإنّه يمنع أحد الزوجين عن النصيب الأعلى وهو النصف في الزوج والربع في الزوجة.
الرابع: الوارث مطلقاً فإنّه يمنع أحد الزوجين عن الزيادة عن فريضتهما.
الخامس: نقص التركة عن السهام المفروضة فإنّه يمنع البنت الواحدة، والأُخت الواحدة للأب والأُمّ أو للأب عن فريضتهما وهي النصف.
السادس: الأُخت من الأبوين أو الأب فإنّها تمنع الإخوة من الأُمّ عن ردِّ ما زاد على فريضتهم، وكذا الأخوات فإنّهن يمنعن الأخ الواحد من الأُمّ، أو الأُخت كذلك عن ردِّ ما زاد على فريضتهما.
السابع: الولد فإنّه يمنع الأبوين عما زاد عن السدس فريضة لا ردّاً.
الثامن: الاخوة والأخوات (لا أولادهم) فإنّهم يمنعون الأُمّ عن الزيادة على السدس فريضة وردّاً بشروط:
أوّلها: أن لا يكون الاخوة أقل من اثنين أو الأخوات أقل من أربع.
ثانيها: أن يكون الاخوة أحياءً حين موت المورث.
ثالثها: أن يكون إخوة الميت من الأب والأُمّ، أو من الأب.
رابعها: أن يكون أبو الميت حياً حين موته.
خامسها: أن لا يكون الاخوة والأب ممنوعين من الإرث لكفر أو غيره.
سادسها: أن يكون بين الحاجب والمحجوب عنه مغايرة ويتصور عدمها في الشبهة.
سهام الإرث
الوارث إمّا يرث بالفرض أو بالقرابة. والمراد بالأوّل هو السهم المقدر الذي سمّاه اللّه تعالى في كتابه الكريم، وغيره يرث بالقرابة.
والفروض ستة وأربابها ثلاثة عشر:
الأوّل: النصف وهو لبنت واحدة إذا لم يكن معها ولد، ولأُخت واحدة لأبوين أو لأب، وللزوج إن لم يكن للزوجة ولد وإن نزل.
الثاني: الربع وهو للزوج إذا كان للزوجة ولد وإن نزل، وللزوجة إذا لم يكن للزوج ولد وإن نزل.
الثالث: الثمن وهو للزوجة إن كان للزوج ولد وإن نزل.
الرابع: الثلث وهو للأُمّ بشرط أن لا يكون للميت ولد مطلقاً وإن نزل، وأن لا يكون له اخوة متعددون كما تقدم بشرائطه، وللأخ والأُخت من الأُمّ مع التعدد.
الخامس: الثلثان وهو للبنتين فصاعداً مع عدم وجود الابن للميت، وللأُختين فصاعداً لأبوين مع عدم وجود الأخ لأبوين، أو لأب مع عدم وجود الأخ لأب.
السادس: السدس وهو للأب مع وجود الولد مطلقاً وللأُمّ مع وجود الحاجب للثلث، وللأخ أو الأُخت للأُمّ مع عدم التعدد من قبلها.
العول والتعصيب
لو كانت التركة أزيد من السهام فترد الزيادة إلى أرباب الفروض ولا تُعطى لعصبة الميت وهي كلّ ذكر ينتسب إليه بلا واسطة أو بواسطة الذكور (وهذا هو التعصيب).
كما أنّه لو كانت التركة أقل من السهام وذلك بدخول بنت أو بنتين فصاعداً، أو أُخت من قِبَل الأبوين أو الأب، أو أُختين كذلك فصاعداً في الورثة: فيرد النقص عليهن ولا يعول بوروده على الجميع بالنسبة (وهذا هو العول).
ولا ترد الزيادة على طوائف من أرباب الفروض. منها: الزوجة مطلقاً،
والزوج، والأُمّ مع وجود الحاجب من الرد كما تقدم، ومنها الاخوة من الأُمّ مطلقاً مع وجود واحد من الجدود من قبل الأب أو واحد من الاخوة من قبل الأبوين أو الأب كما مرّ.
فروع
المسألة 1. تختص الحبوة بالأكبر من الأولاد الذكور وهي ثياب بدن أبيه سواء لبسها أم لا، و مصحفه الذي كان يقرأ فيه، وخاتمه، وسيفه، والأولى تقديم تجهيز الميت وديونه على الحبوة مع تزاحمهما.
المسألة 2. ترث الزوجة زوجها من الأموال المنقولة مطلقاً، وترث القيمة من آلات البناء، وكذا قيمة الشجرة وغيرها ممّا يكون على الأرض، وأمّا الأراضي فلا ترث من الدار لا عيناً ولا قيمة، وأمّا غيرها فالأحوط المصالحة.
المسألة 3. لو مات اثنان بينهما توارث في آن واحد بحيث يعلم تقارن موتهما فلا يكون بينهما توارث، ولو شك في التقارن والتقدم والتأخر ولم يعلم التاريخ فإن كان سبب موتهما الغرق أو الهدم فلا إشكال في إرث كلّ منهما من الآخر، وإن كان السبب غيرهما فالأقوى أنّ حكمه حكم الغرقى والمهدوم عليهم، وإن كان الاحتياط بالتصالح مطلوب.
المسألة 4. لا يرث الكافر ممن لا يكون بينه وبينه نسب أو سبب صحيحان في مذهبه.
المسألة 5. المسلم يرث بالنسب الصحيح وكذا الفاسد لو كان عن شبهة، ولا فرق في الشبهة بين الحكمية والموضوعية.
كتاب القضاء
القضاء هو الحكم بين الناس لرفع التنازع بينهم بالشرائط الآتية، ويجب كفاية على أهله، ويحرم على غيرهم.
المسألة1. يحرم الترافع إلى قضاة الجور (أي من لم تجتمع فيهم شرائط القضاء) وما أخذ بحكمهم حرام إذا كان ديناً.
المسألة 2. أخذ الرشوة وإعطاؤها حرام، نعم لو توقف التوصل إلى حقه عليها جازت للدافع وحرمت على الآخذ.
صفات القاضي
المسألة 1. يشترط في القاضي: البلوغ والعقل والإيمان والعدالة والاجتهاد المطلق والذكورة وطهارة المولد والأعلمية ممن في البلد أو ما يقربه على الأحوط.
المسألة 2. يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه من دون بينة أو إقرار أو حلف في حقوق الناس، وكذا في حق اللّه تعالى.
المسألة3. لا يجوز نقض حكم القاضي إلاّ مع العلم بعدم أهليته.
وظائف القاضي
يجب على القاضي التسوية بين المترافعين في السلام والرد والإجلاس والنظر
والكلام والإنصات وطلاقة الوجه وسائر الآداب وأنواع الإكرام، والعدل في الحكم.
المسألة 1. لا يجوز للقاضي أن يلقِّن أحد الخصمين شيئاً يستظهر به على خصمه.
المسألة 2. لو ورد الخصوم مترتبين بدأ الحاكم في سماع الدعوى بالأوّل فالأوّل، وفي غيره يقرع بينهم مع التشاح.
المسألة 3. إذا بدر أحد الخصمين بالدعوى فهو أولى، ولو اتفق مسافر وحاضر فهما سواء ما لم يتضرر أحدهما بالتأخير.
شروط سماع الدعوى
يشترط في سماع دعوى المدّعي أُمور: منها ما يتعلق بالمدّعي كالبلوغ والعقل وعدم الحجر لسفه، وعدم كونه أجنبياً عن الدعوى (كدعواه لأحد على آخر)، وثبوت الأثر للدعوى، فدعوى الهبة ـ مع التسالم على عدم القبض ـ لا تُسمَعُ، وكون المدّعى به معلوماً بوجه، ووجود طرف يُدّعى عليه، والجزم في الدعوى في الجملة، وتعيين المدّعى عليه.
وأمّا حضور المدّعى عليه في بلد الدعوى فلا يشترط في سماع الدعوى إلاّ إذا أمكن إحضاره بسهولة. ثم إنّ الغائب على حجته إذا حضر.
جواب المدّعى عليه
المدّعى عليه إمّا أن يسكت عن الجواب أو يُقِرَّ أو يُنكر أو يقول: لا أدري، أو يقول: أدَّيت، ونحو ذلك ممّا هو تكذيب للمدّعي.
المسألة 1. إذا أقرّ المدّعى عليه بالحق عيناً أو ديناً وكان جامعاً لشرائط الإقرار، وحكم الحاكم بعد طلب المدَّعي، ألزمه به وانفصلت الخصومة.
المسألة 2. لو أجاب المدّعى عليه بالإنكار وجب على الحاكم أن يخبر المدّعي بأنّ عليه البيّنة، فإن لم تكن له البيّنة فإنّ للحاكم حق تحليف المنكر بالتماس المدّعي، وللمنكر أن يردّ اليمين على المدّعي، فإن حلف ثبتت دعواه وإلاّ سقطت، ولا يشترط في الحكم بالبينة ضم يمين المدّعي. نعم يستثنى منه الدعوى على الميت فيعتبر فيه مع قيام البيّنة اليمين الاستظهاري.
المسألة3. إن سكت المدّعى عليه بعد طلب الجواب منه وكان لعذر من صمم أو خرس أو جهل باللسان، تُوصِّل إلى معرفة جوابه بالإشارة المفهمة، أو بواسطة المترجم ولابدّ من كون المترجم شخصين عدلين. ولو كان سكوته لدهشة ووحشة أزالهما الحاكم بما يناسبه، وإن كان السكوت لا لعذر كاللجاج، أمره الحاكم بالجواب بلطف ورفق، ثمّ بغلظة وشدة، فإن أصر عليه فالأحوط أن يقول الحاكم له أجب وإلاّ جعلتك ناكلاً، والأولى التكرار ثلاثاً، فإن أصرّ ردّ الحاكم اليمين على المدّعي فإن حلف ثبت حقه.
المسألة 4. إن أجاب المدّعى عليه بقوله «لا أدري» وصدّقه المدّعي فالأوجه توقف الدعوى إلى أن يقيم المدّعي البينة. أو ينكر دعوى المدّعى عليه، وإن لم يصدقه وادّعى أنّه عالم فله عليه حلف فإن حلف سقطت دعواه بأنّه عالم، وإن ردّ على المدّعي فحلف ثبت حقه.
المسألة 5. لو أجاب المدّعى عليه بأنّ المدّعي أبرأ ذمتي أو أخذ المدّعى به منّي، أو وهبني أو باعني أو صالحني ونحو ذلك انقلبت الدعوى وصار المدّعى عليه مدّعياً. والكلام في هذه الدعوى على ما تقدّم.
أحكام الحلف
لا يصحّ الحلف ولا يترتب عليه أثر من إسقاط حق أو إثباته إلاّ بشروط:
الأوّل: أن يكون باللّه تعالى أو بأسمائه الخاصة به تعالى كالرحمان والقديم، والأوّل الذي ليس قبله شيء، أو بالأوصاف إذا ضم إليها ما يجعلها مختصة به تعالى، والأحوط عدم الاكتفاء بغير لفظ الجلالة (اللّه).
الثاني: كون الحلف منه مباشرة فلا يجوز التوكيل ولا النيابة فيه.
الثالث: كون الحلف في مجلس القضاء، وليس للحاكم الاستنابة فيه إلاّ لعذر كمرض وغيره من الأعذار الشرعية.
الرابع: أن يكون الحلف على البتِّ، فمع علمه بالواقعة يجوز الحلف.
الخامس: أن تكون الدعاوى من الأُمور المالية وغيرها كالنكاح والطلاق والقتل، ولا تثبت في الحدود فإنّها لا تثبت إلاّ بالإقرار أو البيّنة بالشرائط المقررة في محلها.
أحكام اليد
المسألة 1. كلّ ما كان تحت استيلاء شخص وفي يده بنحو من الأنحاء فهو محكوم بملكيته وأنّه له.
المسألة2. لو كان شيء تحت يد اثنين، ويدُ كلّ منهما على نصفه فهو محكوم بمملوكيته لهما.
المسألة 3. لو تنازعا في عين مثلاً فإن كانت تحت يد أحدهما فالقول قوله بيمينه، وعلى غير ذي اليد البينة.
المسألة 4. لو تنازع الزوجان في متاع البيت سواء حال زوجيتهما أو بعدها
فالأرجح أنّ ما يكون من المتاع للرجال فهو للزوج كالسلاح وألبسة الرجال، وما يكون للنساء فللزوجة كألبسة النساء وماكنة الخياطة ونحو ذلك وما يكون للرجال والنساء فهو بينهما.
كتاب قاض إلى قاض
المسألة 1. لا ينفذ الحكم ولا يفصل الخصومة إلاّ بالإنشاء لفظاً، ولا عبرة بالإنشاء كتابة.
المسألة 2. إيصال حكم الحاكم بعد فرض الإنشاء لفظاً إلى حاكم آخر إمّا بالكتابة أو القول أو الشهادة.
المسألة 3. لو اشتبه الأمر على الحاكم الثاني لعدم ضبط الشهود له بما يُرفعُ به الإبهام، أوقف الحكم حتى يتضح الأمر بتذكرهما أو بشهادة غيرهما.
المسألة 4. لو أنكر المدّعى عليه أنّه المحكوم عليه، فإن كانت شهادة الشهود على عينه وشخصه لم يسمع منه وألزم، وإن كان الوصف على وجه قابل للانطباق على غيره وعليه فالقول قوله بيمينه، وعلى المدّعي إقامة البينة بأنّه هو.
أحكام المقاصّة
المسألة 1. إنّما تجوز المقاصة إذا كان له على غيره عينٌ أو دين أو منفعة أو حق وكان جاحداً أو مماطلاً، وأمّا إذا كان منكراً، أو كان لا يدري كون المدّعي مُحقاً فالأشبه عدم الجواز، كما أنّه إذا أمكن له أن يأخذه بلا مشقة فلا تجوز المقاصّة من ماله.
المسألة 2. لو استلزم التقاصّ الدخول في داره بلا إذنه، أو كسر قفله ونحو
ذلك ففي جواز المقاصّة إشكال.
المسألة 3. لو توقف أخذ حقه على التصرف في الأزيد جاز، والزائد يردُّ إلى المقتصِّ منه، وكذا إذا توقف على بيع ماله.
المسألة 4. الأقوى جواز المقاصة من المال الذي جعل عنده وديعة على كراهية. والأحوط عدمها.
المسألة 5. ليس للفقراء والسادة المقاصّة من مال من عليه الزكاة أو الخمس أو في ماله إلاّ بإذن الحاكم الشرعي. وللحاكم التقاصُّ ممّن عليه أو في ماله نحو ذلك من الحقوق وجحد أو ماطل، وكذا في الوقف على الجهات العامة وليس لها متولّ.
المسألة 6. لا يجوز التقاص بعد الترافع إلى الحاكم وحلفه، فلو اقتص منه بعده لم يملكه.
كتاب الشهادات
صفات الشهود
وهي أُمور:
الأوّل: البلوغ إلاّ في الشهادة بالجراح والقتل فإنّه لو بلغ عشراً وشهد بهما ففيه تردد.
الثاني: العقل، ويلحق بالمجنون في عدم قبول الشهادة من غلب عليه السهو أو النسيان أو الغفلة أو كان به البله.
الثالث: الإيمان، نعم تقبل شهادة الذمّي العدل في دينه في الوصية بالمال إذا لم يوجد من يشهد بها من عدول المسلمين.
الرابع: العدالة، وهي الملكة الرادعة عن معصية اللّه تعالى فلا تقبل شهادة الفاسق وهو المرتكب للمعصية الكبيرة، أو المُصِرُّ على الصغيرة، بل المرتكب للصغيرة على الأحوط. ولا ترد شهادة أرباب الصنائع المكروهة ولا شهادة ذوي العاهات الخبيثة كالجذام والبرص.
الخامس: طيب المولد، فلا تقبل شهادة ولد الزنا إذا ثبت شرعاً إلاّ في الأشياء اليسيرة.
السادس: أن لا يكون الشاهد متهماً بجرِّ النفع إليه بشهادته، أو بدفع الضرر
عن نفسه بالشهادة، أو بالعداوة الدنيوية، أو بالسؤال بكفه.
ضابطة الشهادة
المسألة 1. إنّما يصير شاهداً بالعلم القطعي واليقين. نعم يشكل جواز الشهادة إذا حصل العلم من الأُمور غير العادية كالجفر والرمل وإن كان حجّة على العالم المتيقن.
المسألة 2. السماع والشهرة إن أفادا العلم تجوز الشهادة بهما ولا ينحصر ذلك في أُمور خاصة.
المسألة3. الأوجه عدم جواز الشهادة بمقتضى اليد والبينة والاستصحاب ونحوها من الأمارات والأُصول الشرعية.
المسألة 4. لو سمع الأعمى وعرف صاحب الصوت علماً جازت شهادته، وكذا يصحّ للأخرس تحمُّل الشهادة وأداؤها.
أقسام الحقوق
المسألة1. الحقوق على كثرتها قسمان: حقوق اللّه تعالى وحقوق الناس. أمّا حقوق اللّه تعالى فمنها ما يثبت بشهادة أربعة رجال، ومنها ما يثبت بثلاثة رجال وامرأتين، ومنها ما يثبت برجلين وأربع نساء، ومنها ما يثبت بشاهدين على ما هو المقرر في كتاب الحدود.
المسألة 2. حق الناس على أقسام: منها ما يشترط في إثباته ذكورة الشاهد كالطلاق، وكذلك ما يكون من حقوق الإنسان غير المالية ولم يقصد منه المال كالإسلام والبلوغ والوكالة والنسب والهلال، أمّا كلُّ ما كان مالاً أو المقصود منه
المال كالديون وثمن البيع والسلف والغصب وعقود المعاوضات والوصية والجناية فيثبت بشهادة رجل وامرأتين، وبامرأتين ويمين المدّعي على الأظهر.
المسألة 3. كلّ ما يعسر اطّلاع الرجال عليه غالباً كالولادة والحيض وعيوب النساء الباطنة فيثبت بشهادة الرجال والنساء منفردات ومنضمات وكلّ موضوع تقبل شهادة النساء منفردات لا يثبت بأقل من أربع إلاّ في موارد نادرة.
فروع
المسألة 1. الشهادة ليست شرطاً في شيء من العقود والإيقاعات إلاّ الطلاق والظهار.
المسألة2. الأحوط وجوب تحمّل الشهادة إذا دُعي إليها من له أهلية لذلك، كما أنّه يجب أداء الشهادة إذا طلبت، والوجوب في المقامين كفائي إلاّ مع عدم غيره ممّن يقوم بالتحمُّل أو الأداء.
المسألة 3. لو ثبت أنّهم شهدوا زوراً نُقض الحكم واستعيد المال إن أمكن، وإلاّ يضمن الشهود. ولو كان المشهود به قتلاً ثبت عليهم القصاص، ولو باشر الولي القصاص واعترف بالتزوير كان القصاص عليه لا على الشهود.
المسألة 4. يجب أن يشهَّر بشهود الزور في بلدهم أو حيِّهم لتُجتنب شهادتهم ويرتدع غيرهم ويعزِّرهم الحاكم بما يراه.
كتاب الحدود
يثبت الحدّ الشرعي في موارد:
منها: ارتكاب الزنا ممّن كان بالغاً عاقلاً عالماً بالتحريم عامداً مختاراً. ويثبت الزنا بالإقرار وبالبينة ويجب أن يكون الشهود أربعة رجال أو ثلاثة رجال وامرأتين; ويسقط الحد عن الزاني والزانية إذا تابا قبل قيام البينة ولا يسقط لو تابا بعده، كما أنّه لو تابا قبل الإقرار سقط الحد وللإمام العفو بعد الإقرار، وحدُّ الزنا القتل على من زنى بذات محرم، والرجم على المحصن والمحصنة، ومائة جلدة على غيرهما.
ومنها: اللواط فلو تاب اللائط قبل قيام البينة سقط الحد، ولو كان الثبوت بالإقرار فتاب فللإمام العفو. وحدُّ اللواط القتل على التفصيل المقرر.
ومنها: السحاق، وحدُّه مائة جلدة.
ومنها: القيادة وحدُّها خمس وسبعون جلدة وينفى من البلد إلى غيره في غير المرأة.
ومنها: القذف وهو الرمي بالزنا أو اللواط وحدُّه ثمانون جلدة.
ومنها: سبُّ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ و العياذ باللّه ـ وحدّه القتل.
ومنها: شرب المسكر قليلاً كان أو كثيراً وحدّه ثمانون جلدة.
ومنها: السرقة إذا لم يكن السارق مضطراً، وكان هاتكاً لحرز، ومخرجاً المتاع من
الحرز سراً، وأن لا يكون السارق والد المسروق منه، وحدُّ السارق في المرة الأُولى قطع الأصابع الأربعة من مفاصل أُصولها من اليد اليمنى، ولو سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى من تحت قبة القدم، وإن سرق ثالثاً حبس دائماً حتى يموت، ونفقته من بيت المال إن كان فقيراً وإن عاد وسرق رابعاً قتل.
ونصاب القطع ما بلغ ربع دينار ذهباً خالصاً مضروباً عليه السكة، أو ما بلغت قيمته ربع دينار.
ومنها: المحارب وهو كلّ من جرَّد سلاحه أو جهَّزه لإخافة الناس وإرادة الإفساد في الأرض، والأولى للحاكم أن يلاحظ الجناية ويختار ما يناسبها من القتل أو الصلب ثلاثة أيام، أو القطع مخالفاً أو النفي. ولو تاب المحارب قبل القدرة عليه سقط الحد دون حقوق الناس.
كتاب القصاص
وهو إمّا في النفس وإمّا فيما دونها.
القسم الأوّل: في قصاص النفس والموجب للقصاص هو إزهاق النفس المحترمة عمداً بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً، وبقصد فعل يقتل به غالباً، وقد يكون العمد بالمباشرة كما لو رماه بسهم أو بندقية فمات فيثبت به القصاص ولو لم يقصد القتل به، وقد يكون بالتسبيب بنحو، كما لو ألقاه في النار أو في البحر ونحوه فعجز عن الخروج حتى مات أو منعه عنه حتى مات فعليه القصاص، ولو أكره على القتل فالقود على المباشر إذا كان بالغاً عاقلاً دون المُكرِه وإن أوعده على القتل، ويحبس الآمر به أبداً حتى يموت.
المسألـة 1. لو اشترك اثنان فمـا زاد في قتـل واحـد اقتص منهم إذا أراد ولي الدم فيرد عليهم ما فضل من دية المقتول ولو كانوا ثلاثة فلكلّ ثلثا ديته وهكذا.
المسألة 2. تتحقق الشركة في القتل بأن يفعل كلّ منهم ما يقتل لو انفرد، وكذا تتحقق الشركة بما تكون له الشركة في السراية مع قصد الجناية، فلو اجتمع عليه عدة فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً لكن كانت الجروح بمجموعها قاتلة له فعليهم القود.
شرائط القصاص
وهي أُمور:
الأوّل: التساوي في الحرية والدين فلا يقتل مسلم بكافر مع عدم اعتياده قتل الكفار.
الثاني: انتفاء الأُبوة فلا يُقتل أب بقتل ابنه والظاهر أن لا يقتل أبو الأب وهكذا، ولا تسقط الكفارة ولا الدية عن الأب بقتل ابنه.
الثالث: العقل فلا يقتل المجنون سواء قتل عاقلاً أو مجنوناً، ولا تسقط الدية.
الرابع: البلوغ فلا يقتل الصبي، فعمده خطأ حتى يبلغ في السن أو سائر الأمارات، ولا تسقط الدية.
الخامس: أن يكون المقتول محقون الدم فلو قتل من كان مهدور الدم كالسّابّ للنبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فليس عليه القصاص.
فيما يثبت به القصاص
يثبت القصاص بأُمور:
الأوّل: الإقرار بالقتل مع شرائطه.
الثاني: البيّنة ويعتبر فيها أن تكون شهادة عدلين ولا اعتبار بشهادة النساء فيه منفردات ولا منضمات.
الثالث: اليمين وهي في القتل العمديّ خمسون يميناً وفي الخطأ وشبهه خمسة وعشرون على الأصح، ويثبت القصاص باليمين لو حصل اللوث، والمراد به كلّ أمارة ظنّية قامت عند الحاكم على صدق المدّعي كما لو وجد متشحطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، ولو لم يحصل اللوث فالحكم فيه كغيره من الدعاوى فالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
استيفاء القصاص
المسألة 1. قتل العمد يوجب القصاص عيناً، ولو عفا الولي بشرط الدية لم
تثبت إلاّ برضا الجاني ويجوز التصالح على الدية أو الزائد أو الناقص.
المسألة 2. يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة ويرث الدية حتى الزوج والزوجة.
المسألة 3. الأحوط عدم جواز مبادرة الوليّ إذا كان منفرداً إلى القصاص إلاّ مع إذن والي المسلمين، ولو بادر فللوالي تعزيره.
المسألة 4. لو كان أولياء الدم أكثر من واحد فالأقوى عدم جواز الاستيفاء إلاّ باجتماع الجميع وإذن الولي; بمعنى إذنهم لواحد منهم أو توكيلهم أحداً للقصاص.
المسألة 5. الأحوط عدم استيفاء القصاص للمديون إلاّ بعد ضمان الدية للغرماء.
قصاص ما دون النفس
المسألة 1. الموجب لقصاص ما دون النفس كالموجب في قتل النفس وهو الجناية العمدية مباشرة أو تسبيباً فلو جنى بما يتلف العضو غالباً فهو عمد (قَصَدَ الإتلاف به أم لا) ولو جنى بما لا يتلف به غالباً مع قصد الإتلاف فهو عمد.
المسألة 2. يشترط في جواز القصاص فيما دون النفس ما يشترط في الاقتصاص بالنفس ويشترط زائداً عليه التساوي في السلامة من الشلل ونحوه، والتساوي في أصالة العضو و زيادته، والتساوي في المحل، فيقطع اليمين باليمين واليسار باليسار.
المسألة 3. يثبت القصاص في أعضاء: منها: الأُذن والعين والأجفان والأنف والشفة والثدي والسِنّ وآلة التناسل.
المسألة 4. تثبت الدية في كلّ مورد تتعذر فيه المماثلة والمساواة.
كتاب الديات
الدِّية هي المال الواجب بالجناية المؤدية لإتلاف النفس أو مادونها ويسمّى غير المقدّر في الشرع: بالأرش والحكومة، والمقدّر: بالدية.
المسألة 1. في قتل العمد حيث تتعين الدية، أو يصالح عليها مطلقاً بألف دينار أو عشرة آلاف درهم أو غير ذلك ممّا ذكر في محله، ومثله دية شبيه العمد وهو ما يكون قاصداً للفعل الذي لا يقتل به غالباً غير قاصد للقتل كما لو ضربه تأديباً بسوط ونحوه فاتفق القتل، وكذا دية الخطأ وهو أن لا يقصد الفعل ولا القتل كمن رمى صيداً فأصاب إنساناً فقتله.
المسألة 2. دية المرأة نصف ما ذكر ودية الذمِّي ثمانمائة درهم ودية الذمية أربعمائة درهم.
المسألة 3. لو ضرب الأب أو المعلم أو غيرهما تأديباً فاتفق القتل فالضارب ضامن، وكذا الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصراً في العلم أو العمل ولو كان مأذوناً، نعم لو وصف دواءً وأوصى بشربه من غير أمر به فالأقوى عدم ضمانه.
المسألة 4. لو أخافه فهرب فأوقع نفسه من شاهق أو في بئر فمات فإن زال عقله واختياره بواسطة الإخافة فالظاهر ضمان المخيف وإلاّ فلا ضمان عليه.
المسألة 5. إذا اصطدم بالغان عاقلان سواء كانا راجلين أو فارسين أو في
سيارة وغيرها فماتا، فإن قصدا القتل فهو عمد، وإن لم يقصدا ذلك ولم يكن الفعل مما يقتل غالباً فهو شبيه العمد ويكون لورثة كلّ منهما نصف ديته ويسقط النصف الآخر، وعلى كلّ واحد منهما نصف قيمة مركوب الآخر لو تلف بالاصطدام.
المسألة 6. كلّ ما هو مأذون فيه شرعاً ليس فيه ضمان ما تلف لأجله، كإخراج الرواشن غير المضرة ونصب الميازيب كذلك، وكلّ ما هو غير مأذون فيه ففيه الضمان كالإضرار بطريق المسلمين بأيِّ نحو كان.
المسألة7. لو ألقى فضلات مزلّقة كقشور البطيخ والموز على الطريق فزلق بها إنسان ضمن، نعم لو وضع المار العاقل رجله عليها متعمداً فلا ضمان.
المسألة 8. يجب حفظ دابته الصائلة كالكلب العقور، والفرس العضوض، فلو أهمل حفظها ضمن جنايتها، ومثله ما لو دخل داراً فعقره الكلب الحارس للدار فيضمن صاحبه إن دخل بإذنه وإلاّ فلا ضمان.
دية الأعضاء
المسألة 1. ما لا تقدير فيه شرعاً من الأعضاء ففي الجناية عليها الأرش المسمّى بالحكومة بأن يُفرض المجنيّ عليه قابلاً للتقويم فيقوّم صحيحه ومعيبه ويؤخذ الأرش ولابدّ من ملاحظة الخصوصيات.
المسألة 2. لو أذهب شعر رأسه أو شعر اللحية ولم ينبت تثبت الدية في الرجل تمامها وفي المرأة نصفها، وفي شعر الحاجبين معاً نصف الدية الكاملة وفي كلّ واحد نصف هذه الدية.
المسألة 3. في الجناية على العينين معاً الدية، وفي كلّ واحدة منهما نصفها، وفي
العين العوراء ثلث الدية إذا خسفها أو قلعها، وفي الجناية على الأجفان الدية.
المسألة 4. إذا قطع الأنف من أصله تثبت الدية، وفي أحد المنخرين ثلث الدية، ولو نفذت في الأنف نافذة على وجه لا تفسده كالرمح فخرقت المنخرين والحاجز فثلث الدية، فإن جبر وصلح فخمس الدية على الأحوط.
المسألة 5. إذا استوصل الأُذنين أي قطعهما من أصلهما تثبت الدية الكاملة، وفي كلّ واحدة منهما نصف الدية وفي خصوص شحمة الأُذن ثلث دية الأُذن، ولا فرق بين الصحيح والأصم في ذلك.
المسألة 6. في قطع الشفتين الدية وفي كلّ واحدة منهما النصف والأحوط في السفلى ستمائة دينار، ولو شق الشفتين حتى بدت الأسنان فعليه ثلث الدية فإن برئت فخمس الدية.
المسألة 7. في لسان الصحيح إذا قطعه من أصله الدية كاملة وفي لسان الأخرس ثلث الدية والاعتبار في صحيح اللسان بما يذهب الحروف إذا قطع بعضه فالظاهر تقسيط الدية على الحروف بالسوية كلٌّ بحسب لغته.
المسألة 8. في الأسنان الدية كاملة وهي موزعة على ثمانية وعشرين سناً: عشرة في مقاديم الفم; ففي كلّ واحدة منها خمسون ديناراً، وستة عشر في مؤخرة الفم; في كلّ واحدة منها خمسة وعشرون ديناراً.
المسألة 9. إذا قلع اللحيين ففيه الدية الكاملة وفي كلّ واحد منهما نصفها. واللحيان: هما العظمان اللذان ملتقاهما الذقن وفي الجانب الأعلى يتصل طرف كلّ واحد منهما بالأُذن من جانبي الوجه وعليهما نبات الأسنان السفلى. ولو قلع بعضهما فبحساب المساحة.
المسألة 10. إذا كسر عنقه ففيه الدية الكاملة، وكذا لو جنى عليه على وجه
يصبح مائل العنق دائماً.
المسألة 11. في قطع اليدين الدية الكاملة وفي كلّ واحدة نصفها، وحدّ اليد التي فيها الدية المعصم أي المفصل الذي بين الكف والذراع، وكذا لو قطع اليدين من المرفق أو من المنكب.
المسألة 12. في قطع أصابع اليدين الدية الكاملة وكذا في أصابع الرجلين وفي كلّ واحدة منهما نصف الدية، ودية كلّ أصبع مقسومة على ثلاث عقد في كلّ ثلث دية الاصبع، وفي الإبهام مقسومة على اثنتين وفي شلل كل واحد من الأصابع ثلثا ديتها وفي قطعها بعد الشلل ثلثها، ودية الظفر إذا لم ينبت أو نبت أسود فاسداً; عشرة دنانير، وإن نبت صحيحاً فخمسة دنانير.
المسألة 13. في كسر الظهر وقطع النخاع وقلع الثديين من المرأة، وقطع آلة التناسل والرجلين وكسر الترقوتين الدية الكاملة.
المسألة 14. لو أذهب عقله أو سمعه أو بصره أو شمه أو صوته بجناية، أو أوجد فيه سلس البول في جميع الأيام، فعلى الجاني الدية الكاملة.
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين