يکشنبه 31 ارديبهشت 1391 - الأحد 30 جمادى الثّانيه 1433 - Sun 20 May 2012
 
  • صفحه اصلي سايت
  • نسخه آر اس اس
  • ارتباط با ما
  • سايت عربي
  • آدرس دفاتر
 
 
 
:: الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 4 ::



(109)

البحث الثاني

السنّة النبوية والأئمة الإثنا عشر

إنّ النبي الأكرم لم يكتف بتنصيب عليّ منصب الإمامة والخلافة، كما لم يكتف بإرجاع الأمّة الإسلامية إلى أهل بيته وعترته الطاهرة، ولم يقتصر على تشبيههم بسفينة نوح، بل قام ببيان عدد الأئمة الذين يتولون الخلافة بعده، واحداً بعد واحد، حتى لا يبقى لمرتاب ريب، ولا لشاكّ شك، وقد جاء ذلك في الصحاح والمسانيد بصُوَر مختلفة نشير إليها.

1ـ كلهم من قريش

روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي يقول:

«يكون إثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلُّهم من قُرَيْش»(1).

2ـ لايزال الإسلام عزيزاً

روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول:


1 - صحيح البخاري، ج 9، باب الإستخلاف، ص 81. ورواه ناقصاً كما يظهر ممّا نقله مسلم وغيره، رواه أحمد في مسنده، ج 5، ص 90، وص 92، وص 95، وص 108.


(110)

«لايزال الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش» (1).

3ـ لا يزال الدين عزيزاً منيعاً

و روى أيضاً عن جابر سمرة قال، انطلقت إلى رسول الله ومعي أبي فسمعته يقول:

لايزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى إثني عشر خليفة، فقلا كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟. قال: كلّهم من قريش (2).

4ـ لايزال الدين قائماً

وروى أيضاً عنه، قال: سمعت رسول الله يوم جمعة عَشية رجم الأسلمي، يقول: لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش(3) .

5 ـ لا يزال الدين ظاهراً

روى أحمد في مسنده، عن جابر قال سمعت رسول الله يقول في حجة الوداع: إنّ هذا الدين لن ظاهراً على ناواه، لا يضرّه مخالف ولا مفارق حتى يمضي من أُمّتي إثنا عشر خليفة. ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما


1 - صحيح مسلم، ج 6، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش، ص 3. وروى هذا المضمون تارة عن سماك بن حزب عن جابر، وأخرى عن الشعبي عن جابر. ورواه أحمد في مسنده، ج 5، ص 90، و 98، وفيه فكبّر الناس وضجّوا.
2 - المصدر السابق من صحيح مسلم، ومسند أحمد، ج 5، ص 98. وفيه: «لايزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ينصرون على من ناواهم عليه».
3 - المصدر نفسه. ومسند أحمد، ج 5، ص 86، ص 89، وفي ص 92: «لا يزال الدين قائماً يقاتل عليه عصابة حتّى تقوم الساعة». وص 98، وفيها «عصابة من المسلمين».


(111)

قال: قال: كلهم من قريش (1).

6ـ لا يزال هذا الأمر صالحاً

روى أحمد في مسنده عن جابر عن سمرة قال: جئت أنا وأبي إلى النبي، وهو يقول: لا يزال هذا الأمر صالحاً، حتى يكون إثنا عشر أميراً، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي ما قال؟ قال: كلّهم من قريش (2).

7ـ لايزال الناس بخير

و روى أيضاً عنه قال: كنت مع أبي عند رسول الله، فقال رسول الله: لا يزال هذا الدين عزيزاً، أو قال: لايزال الناس بخير ـ شكّ أبو عبد الصمد ـ إلى إثني عشر خليفة، ثم قال كلمة خفيّة، فقلت لأبي، ما قال؟. قال: كلّهم من قريش (3).

فَهَلُمّ الآن إلى البحث عن هؤلاء الخلفاء الإثني عشر، حتى نعرف من هم وقد وقفت على أنّ الرسول الأكرم قد عرفهم بالخصوصيات التالية:

ـ لا يزلا الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة.

ـ لايزال الدين عزيزاً منيعاً إلى إثني عشر خليفة.

ـ لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة.

ـ لايزال الدين ظاهراً على من ناواه... حتى يمضي من أمتي إثنا عشر خليفة.

ـ لا يزال الدين هذا الأمر صالحاً حتى يكون إثنا عشر أميراً.

ـ لايزال الناس بخير إلى إثني عشر خليفة.


1 - مسنده أحمد، ج 5، ص 78 و ص 90. ولاحظ المستدرك، ج 3، ص 618 وفيه:
«لايزال أمر هذه الأمّة ظاهراً».
2 - مسند أحمد، ج 5، ص 97 و ص 107 ولاحظ المستدرك، ج 3، ص 618.
3 - مسند أحمد، ج 5، ص 98.


(112)

و قد اختلفت كلمة شراح الحديث في تعيين هؤلاء الأئمة، ولا تجد بينها كلمة تشفي العليل، وتروي الغليل، إلاّ ما نقله القندوزي عن بعض المحققين، قال:

«إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده إثني عشر، قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان، وتعريف الكون والمكان، علم أنّ مراد رسول الله من حديثه هذا، الأئمة الإثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يُحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأمويين لزيادتهم على الإثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونه غير بني هاشم لأنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: كلهم من بني هاشم، في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته في هذا القول يرجّح هذه الرواية، لأنّهم لا يُحَسِّنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسيين لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم قوله سبجانه: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)، وحديث الكساء، فلابدّ من أن يُحمل على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجَلِّهم، وأوُرَعَهم، وأتْقاهم، وأعلاهُم نَسَباً، وأفضَلَهم حَسَباً،أَكْرَمَهِم عند الله، وكانت عُلُومهم عن آبائهم متصلة بجدّهم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وبالوراثة اللَّدُنيَّة، كذا عَرَّفهم أهلُ العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.

و يؤيّد هذا المعنى، أي أن مراد النبي الأئمة الإثني عشر من أهل بيته، ويشهد عليه ويرجّحه حديث الثقلين والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها.

وأمّا قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : كلُّهم يجتمع عليه الأمّة، في رواية جابر بن سمرة، فمراده أنّ الأُمّة تجتمع على الإقرار بإمامة كلّهم وقت ظهور قائمهم المهدي» (1).

و العجب من بعض المتعصبين حُمْلَهُ على خلفاء بني أميّة من بعد الصحابة،


1 - ينابيع المودة، للشيخ سليمان المعروف بالبلخي القندوزي، ص 446، ط اسطنبول عام 1301.


(113)

قال: «و ليس الحديث وارداً على المدح، بل على استقامة السلطنة، وهم يزيد بن معاوية، وابنه معاوية، ولا يدخل عبد الله بن الزبير لأنّه من الصحابة، ولا مروان بن الحكم لكونه بويع بعد ابن الزبير، فكان غاصباً، ثم عبد الملك، ثم الوليد، إلى مروان بن محمد» (1).

و هذا لعمري رمي للقول على عواهنه، فمن أين علم أنّه إشارة إلى إمارة غير الصحابة، مع أنّه قال: يكون بعدي. ثم ما فائدة هذا الإخبار وما حاصله؟.

أضف إلى ذلك أنّ الرسول الأكرم أناط عزة الإسلام، ومنعته، وقوام الدين وصلاح الأمّة، بخلافة هؤلاء. وهل كان في خلافتهم هذه الآثار، أو الذي كان هو ما يضادّها؟ فكيف يمكن عمل هذه البشائر التي صدرت على سبيل المدح، على مثل يزيد بن معاوية قاتل الإمام الطاهر، والفاسق المعلن بالمنكرات والكفر، والمتمثل بأشعار ابن الزّبعرى المعروفة (2). وموبقات هذا الرجل من استباحة دم الصحابة، والتابعين ثلاثة أيام (3)، وغير ذلك، ممّا لا يحصى. وكيف يعدّ وليد بن يزيد بن عبد الملك من خلفاء رسول الله الذين يعتزّ بهم الدين؟.

فتح الوليد المصحف ذات يوم وقرأ قوله تعالى: (وَ اسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد)(4)، فدعى بالمصحف، فنصبه غرضاً للنشاب، وأقبل يرميه وهو يقول:

تهدّدني بجبار عنيد * فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر * فقل ياربّ مزّقني الوليد


1 - منتخب الأثر، ص 16، نقلاً عن حواشي صحيح الترمذي.
2 -

ليت أشياخي ببدر شهدوا * وقع الخزرج من وقع الأسل

إلى آخر الأبيات وفيها:

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل

(البداية والنهاية، لابن الأثير، ج 8، ص 142. ط دار الفكر ـ بيروت، وتذكرة الخواص، لابن الجوزي، ص 235، ط بيروت 1401ـ 1981).
3 - لاحظ تاريخ الطبري، حوادث سنة 63، ص 370 ـ 381.
4 - سورة إبراهيم: الآيتان 15 و16.


(114)

و ذكر محمد بن يزيد المبرَّد النحوي أنّ الوليد ألحد في شعر له ذكر ليه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأنّ الوحي لم يأته من ربَّه. كذب أخزاه الله من ذلك الشعر:

تَلَعَّبَ بالخلافة هاشمي * بلاَ وحي أتاه ولا كتاب

فقل لله يمنعني طعامي * و قُلْ لله يمنعني شرابي

فلم يُمهل بعد قوله هذا إلاّ أياماً حتى قتل (1).

و الإنسان الحرّ الفارغ عن كل رأي مسبق، لو أمعن النظر في هذه الأحاديث وأمعن في تاريخ الأئمة الإثني عشر من ولد الرسول، يقف على أنّ هذه الأحاديث لا تروم غيرهم، فإنّ بعضها يدلّ على أنّ الإسلام لا ينقرض ولا ينقضي حتى يمضي في المسلمين إثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش، وبعضها يدلّ على أنّ عزّة الإسلام إنّما تكون إلى إثني عشر خليفة، وبعضها يدلّ على أنّ الدين قائم إلى قيام الساعة، وإلى ظهور إثني عشر خليفة، وغير ذلك من العناوين.

و هذه الخوصيات لا توجد في الأمّة الإسلامية إلاّ في الأئمة الإثني عشر المعروفين عند الفريقين، خصوصاً ما يدلّ على أن وجود الأئمة مستمر إلى آخر الدهر، ومن المعلوم أنّ آخر الأئمة هو المهدي المنتظر، الذي يعدّ ظهوره من أشراط الساعة.

و لو أضفنا إلى هذا، الروايات الكثيرة الواردة في الأئمة الإثني عشر، يقطع الإنسان بأنّه ليس المراد إلاّ هؤلاء الذين اعترف بفضلهم، وورعهم،تُقاهم، وعلمهم، ووعيهم، وحلمهم، وصبرهم، ودرايتهم، وكفايتهم، الداني والقاصي، والصديق والعدو، ألا وهم:

علي بن أبي طالب، فالحسن بن علي، فالحسين بن علي، فعلي بن الحسين، فمحمد بن علي، فجعفربن محمد، فموسى بن جعفر، فعلي بن موسى، فمحمد بن علي، فعلي بن محمد، فالحسن بن علي، فمحمد بن الحسن


1 - مروج الذهب، ج 3، ص 216.


(115)

العسكري، المهدي المنتظر الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً (1)، صلوات الله وتحايته وسلامه عليهم أجمعين.

و قد تضافرت النصوص في تنصيص الإمام السابق على الإمام اللاحق، فمن أراد الوقوف على هذه النصوص، فعليه الرجوع إلى الكتب المعدّة لإمامة الأئمة الإثني عشر(2).

* * *


1 - سيوافيك الكلام في الإمام المنتظر، وأحاديثه في السنّة النبوية، وطول عمره، وعلائم ظهوره، وغير ذلك مما يرجع إليه.
2 - لاحظ الكافي، ج 1، كتاب الحجة، وأجمع كتاب في هذا الموضوع هو كتاب «إثبات الهداة» للشيخ الحرّ العاملي وقد جمع فيه النصوص المتضافرة على إمامة كلّ واحد من الأئمة الإثني عشر.


(116)

البحث الثالث

عصمة الإمام في القرآن

قد عرفت في البحث عن شروط الإمامة، اختلاف أهل السنّة في عددها، وعلمت المتفقّ عليه، والمختلف عليه منها. وقد اتّفقوا وراء ذلك على أنّ العصمة ليست من الشرائط، أخذاً بمبادئهم حيث إنّ الخلفاء بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، لم يكونوا بمعصومين قطعاً، بل إنّ بعضهم لم يكن مجتهداً في الكتاب و السنّة.

و أمّا الشيعة الإمامية، فقد اتّفقت على هذا الشرط من بين الشروط، واستدلّوا عليه بأدلّة، نكتفي ببعضها:

1ـ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة

إنّ حقيقة الإمامة الذي تتبناه الشيعة الإمامية، هي القيام بوظائف الرسول بعد رحلته، وقد تعرفت على وظائفه الرسالية والفراغات الحاصلة بموته و التحاقه بالرفيق الأعلى. ومن المعلوم أنّ سدّ هذه الفراغات لا يتحقق إلاّ بأن يكون الإمام متمتعاً بما يتمتع به النبي الأكرم من الكفاءات والمؤهلات، فيكون عارفاً بالكتاب والسنّة على وفق الواقع، وعالماً بحكم الموضوعات المستجدة عرفاناً واقعياً، وذابّاً عن الدين شبهات المشككين، ومن المعلوم أنّ هذه الوظيفة تستدعي كون الإمام مصوناً من الخطأ. فما دلّ على أنّ النبيّ يجب أن يكون مصوناً في مقام إبلاغ


(117)

الرسالة، قائم في المقام بنفسه، فإنّ الإمام يقوم بنفس تلك الوظيفة، وإن لم يكن رسولاً ولا طرفاً للوحي، ولكنه يكون عيبةً لعلمه، وحاملاً لشرعه وأحكامه، فإذا لم نجوّز الخطأ على النبي في مقام الإبلاغ، فليكن الأمر كذلك في مقام القيام بتلك الوطيفة بلا منصب الرسالة والنبوة.

2ـ آية ابتلاء إبراهيم

قال سبحانه: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(1).

إنّ تفسير الآية كما هو حقّها يتوقف على البحث عن النقاط التالية:

أ ـ ما هو الهدف من الإبتلاء؟.

ب ـ ما هو المراد من الكلمات؟.

ج ـ ماذا يراد من الإتمام؟.

د ـ ما هو المقصود من الإمام (إماماً)؟.

هـ ـ كيف تكون الإمامة عهداً إلهياً (عهدي)؟.

و ـ ما هو المراد من الظالمين؟.

و لكنّ إفاضة الكلام في هذه الموضوعات، يحوجنا إلى تأليف رسالة مفردة فنكتفي بالتركيز على اثنين من هذه المو ضوعات(2).

الأول ـ ما هو المقصود من الإمامة التي أنعم الله سبحانه بها على نبيّه الخليل؟.

الثاني ـ ما هو المراد من الظالمين؟.

* * *


1 - سورة البقرة: الآية 124.
2 - وقد أشبع شيخنا الأستاذ، البحث عن هذه الموضوعات الستّة في موسوعته القرآنية «مفاهيم القرآن»، ج 5، ص 205 ـ 259.


(118)

الأول ـ ما هو المراد من الإمامة في الآية؟

ذهب عدّة من المفسّرين منهم الرازي في مفاتيحه، إلى أنّ المراد من الإمامة هنا، النبوة وأنّ ملاك إمامة الخليل، نبوّته، لأنّها تتضمن مشاقّاً عظيمة(1).

و قال الشيخ محمود عبده: «الإمامة هنا عبارة عن الرسالة، وهي لاتنال بكسب الكاسب» (2).

يلاحظ عليه: إنّ إبراهيم كان نبيّاً قبل الإبتلاء بالكلمات، وقبل تنصيبه إماماً، فكيف يصحّ أن تفسّر الإمامة بالنبوّة على ما في لفظ الرازي، أو بالرسالة، على ما في لفظ المنار؟ ودليلنا على ما ذكرنا، أمران:

1ـ إنّ نزول الوحي على إبراهيم، وجعله طرفاً للخطاب بقوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، أوضح دليل على أنّه كان نبيّاً متلقياً للوحي قبل نزول هذه الآية. وأسلوب الكلام يدلّ على أنّه لم يكن وحياً إبتدائياً، بل يعرب عن كونه استمراراً للوحي السابق، والمحاورة الموجودة بينه وبين الله تعالى، حيث طلب الإمامة لذريته، تناسب الوحي الإستمراري لا الوحي الإبتدائي. وإن كنت في شكّ، فلاحظ الوحي الإبتدائي، النازل على موسى في طور سيناء حيث خوطب بقوله:

(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(3).

2ـ إنّ الخليل طلب الإمامة لذرّيته، ومن المعلوم أنّ إبراهيم كان نبيّاً قبل أن يرزق أيّ ولد من ولديه إسماعيل وإسحاق، أمّا أوّلهما فقد رزقه بعد تحطيم الأصنام في بابل، وإعداد العدّة للخروج إلى فلسطين، حيث وافاه الوحي


1 - مفاتيح الغيب، للرازي، جح 1، ص 490.
2 - المنار، ج 1 ص 455.
3 - سورة القصص: الآية 3. ولاحظ سورة العلق: الآيات 1 ـ 5، فإنّها من الوحي الإبتدائي، وهي لاتشبه الخطاب الوارد في الآية الموجّه إلى الخليل.


(119)

و بشّره: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم )(1). وأمّا ثانيهما، فقد بشرته به الملائكة عندما دخلوا عليه ضيوفاً، فقالوا: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم عَلِيم)(2).

و على ذلك، يجب أن تكون الإمامة الموهوبة للخليل غير النبوة، وإلاّ كان أشبه بتحصيل الحاصل.

و الظاهر أنّ المراد من الإمامة، القيادة الإلهية للمجتمع، فإنّ هناك مقامات ثلاثة:

ـ مقام النبوة، وهو منصب تحمّل الوحي.

ـ مقام الرسالة، وهو منصب إبلاغه إلى الناس.

ـ مقام الإمامة، وهو منصب القيادة وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوة وقدرة.

و يعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث، قوله سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيًما)(3).

فالإمامة التي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته، هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية. وعلينا الفحص عن المراد من الملك العظيم، إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الإمامة، وراء النبوة والرسالة، وإنّما هو قيادة حكيمة، وحكومة إلهيّة، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة. والله سبحانه يوضح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية:

1ـ يقول سبحانه ـ حاكياً قول يوسف ـ عليه السَّلام ـ ـ: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ )(4).و من المعلوم أنّ الملك الذي منّ به


1 - لاحظ سورة الصافات، الآيات 91 ـ 102.
2 - لاحظ سورة الحجر: الآيات 51 ـ 55.
3 - سورة النساء: الآية 54.
4 - سورة يوسف: الآية 101.


(120)

سبحانه على عبده يوسف، ليس النبوة، بل الحاكمية، حيث صار أميناً مكيناً في الأرض. فقوله: (وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، إشارة إلى نبوته، والملك إشارة إلى سلطته وقدرته.

2ـ ويقول سبحانه في داود ـ عليه السَّلام ـ : (وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)(1). ويقول سبحانه: (وَ شَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) (2).

3ـ ويحكي الله تعالى عن سليمان أنّه قال: (وَ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) (3).

فملاحظة هذه الآيات يفسّر لنا حقيقة الإمامة، وذلك بفضل الأمور التالية:

أ ـ إنّ إبراهيم طلب الإمامة لذريته، وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم.

ب ـ إنّ مجموعةً من ذريته، كيوسف وداود وسليمان، نالوا ـ وراء النبوة والرسالة ـ منصب الحكومة والقيادة.

ج ـ إنّه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب، والحكمة، والملك العظيم.

فمن ضمّ هذه الأُمور بعضها إلى بعض، يخرج بهذه النتيجة: إنّ ملاك الإمامة في ذريّة إبراهيم، هو قيادتهم وحكمهم في المجتمع، وهذه هي حقيقة الإمامة، غير أنّها ربما تجتمع مع المقامين الآخرين، كما في الخليل، ويوسف، وداود، وسليمان، وغيرهم، وربما تنفصل عنهما، كما في قوله سبحانه: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ


1 - سورة البقرة الآية 251.
2 - سورة ص: الآية 20.
3 - سورة ص: الآية 35.


(121)

بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(1).

و الإمامة التي يتبناها المسلمون بعد رحلة النبي الأكرم، تتّحد واقعيتها مع هذه الإمامة.

* * *

الثاني ـ ما هو المراد من الظالمين؟

الظُلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه، ومجاوزة الحدّ الذي عيّنه العرف أو الشرع، فالمعصية، كبيرها وصغيرها، ظلم، لأنّ مقترفهما يتجاوز عن الحدّ الذي رسمه الشارع.

و الظلم له مراتب، والمجموع يشترك في كونه تجاوزاً عن الحدّ، ووضعاً للشيء في غير الذي موضعه.

و لما خلع سبحانه ثوب الإمامة على خليله، ونصبه إماماً للناس، ودعا إبراهيم أن يجعل من ذريته إماماً، أجيب بأنّ الإمامة وثيقة إلهية، لا تنال الظالمين، لإنّ الإمام هو المطاع بين الناس، المتصرف في الأموال والنفوس، وقائد المجتمع إلى السعادة، فيجب أن يكون على الصراط السويّ، حتى يكون أمره، ونهيه، وتصرّفه، وقيادته، نابعة منه. والظالم المتجاوز عن الحدّ، لا يصلح لهذا المنصب.

إنّ الظالم الناكث لعهد الله، والناقض لقوانينه وحدوده، على شفا جرف هار، لا يؤتمن عليه، ولا تلقى إليه مقاليد الخلافة، ولا مفاتيح القيادة، لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي، وعلى استعداد لأن يقع أداةً للجائرين، لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي، وعلى استعداد لأن يقع أداةً للجائرين، فكيف يصحّ في منطق العقل أن يكون إماماً مطاعاً نافذاً قوله، مشروعاً تصرّفه، إلى غير ذلك من لوازم الإمامة؟.

إنّ بعض المناصب والمقامات، تُعيَّن شروطُها بالنظر إلى ماهيتها وواقعيتها،


1 - سورة البقرة: الآية 247.


(122)

فمدير المستشفى مثلاً، له شروط تختلف عن شروط القائد. فالإمامة، التي لا تنفك عن التصرف في النفوس والأموال، وبها يناط حفظ القوانين، يجب أن يكون القائم بها إنساناً مثالياً، مالكاً لنفسه، ولغرائزه، حتى لا يتجاوز في حكمه عن الحدّ، وفي قضائه عن الحق.

الجمع المحلّى باللام العموم

الظاهر من صيغة الجمع المحلّي باللام، أنّ الظلم بكل ألوانه وصوره، مانعٌ عن نيل هذا المنصب الإلهي، فالإستغراق في جانب الأفراد، يستلزم الإستغراق في جانب الظلم، وتكون النتيجة ممنوعية كل فرد من أفراد الظلمة عن الارتقاء إلى منصب الإمامة سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثم تاب وصار غير ظالم، أو بقي على ظلمه. فالظالم عند ما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ). فصلاحيته بعد ارتفاع الظلم تحتاج إلى دليل.

و على ذلك، فكل من ارتكب ظلماً، وتجاوز حدّاً في يوم من أيام عمره، أو عبد صنماً، أو لاذ إلى وثن، وبالجملة: ارتكب ما هو حرام، فضلاً عمّا هو كفر، ينادى من فوق العرش: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )، أي أنتم الظلمة الكفرة المتجاوزون عن الحدّ، لستم قابلين لتحمل منصب الإمامة;من غير فرق بين أن يصلح حالهم بعد تلك الفترة، أو يبقوا على ما كانوا عليه.

و هذا يستلزم أن يكون المؤهّل للإمامة، طاهراً من الذنوب من لدن وضع عليه القلم، إلى أن أدرج في كفنه وأدخل في لحده، وهذا ما نسميه بالعصمة في مورد الإمامة.

سؤال وجوابه

السؤال

لسائل أن يسأل ويقول: إنّ الآية إنّما تشمل من كان مقيماً على الظلم، وأمّا التائب منه، فلا يتعلق به الحكم، لأنّ الحكم إذا كان معلقاً على صفة:


(123)

و زالت الصفة، زال الحكم. ألاترى أنّ قوله: (وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا )(1)، إنّما هو ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم، فقوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه، لأنّه في هذه الحالة، لايسمى ظالماً، كما لا يسمى من تاب من الكفر، كافراً.

و الجواب:

إنّ هذا الإعتراض ذكره الجصاص (م 370) في تفسيره على آيات الأحكام (2). ولكنه عزب عنه أنّ قوله: الحكم يدرو مدار وجود الموضع، ليس ضابطاً كلّياً، بل الأحكام على قسمين، قسم كذلك، وآخر يكفي فيه اتّصاف الموضوع بالوصف والعنوان آناً ما، ولحظةً خاصة، وإن انتفى بعد الإتصاف ، فقوله: «الخمر حرام»، أو: «في سائمة الغنم زكاة»، من قبيل القسم الأول، وأمّا قوله: «الزاني يحدّ»، و«السارق يقطع»، فالمراد منه أنّ الإنسان المتلبس بالزنا أو السرقة يكون محكوماً بهما وإن زال العنوان، وتاب السارق والزاني، ومثله: «المستطيع يجب عليه الحج»، فالحكم ثابت، وإن زالت عنه الإستطاعة تقصير لا عن قصور.

و على ذلك فالمدعى أنّ الظالمين في الآية المباركة كالسارق والسارقة (3)و الزاني والزانية (4)، والمستطيع (5)و أمهات نسائكم (6)في الآيات الراجعة إليهم.

نعم المهم في المقام إثبات أنّ الموضوع في الآية من قبيل القسم الثاني، وأنّ


1 - سورة هود: الآية 113.
2 - تفسير آيات الأحكام، ج 1، ص 72.
3 - سورة المائدة: الآية 38.
4 - سورة النور: الآية 2.
5 - سورة آل عمران: الآية 97.
6 - سورة النساء: الآية 23. فمن صدق عليها الأمومة للزوجة يحرم على الزوج تزوّجها، وإن طلق إبنتها.


(124)

التلبس بالظلم ولو آنا ما، وفترة يسيرة من عمره يسلب من الإنسان صلاحية الإمامة وإن تاب من ذنبه.

و يدلّ على ذلك أمران:

الأوّل: إنّ الهدف الأسمى من تنصيب كل إنسان على الإمامة، تجسيد الشريعة الإلهية في المجتمع، فإذا كان القائد رجلاً مثالياً نقي الثوب، مشرق الصحيفة لم ير منه عصيان ولا زَلّة، يتحقق الهدف من نصبه في ذلك المقام.

و أمّا إذا كان في فترة من عمره مقترفاً للمعاصي، ماجناً، مجترحاً للسيئات، فيكون غرضاً لسهام الناقدين، ومن البعيد أن ينفذ قوله، وتقبل قيادته بسهولة، بل ينادى عليه إنّه كان بالأمس، يقترف الذنوب، وأصبح اليوم آمراً بالحق ومميتاً للباطل!!

و لأجل تحقق الهدف يحكم العقل بلزوم نقاوة الإمام عن كل رذيلة ومعصية في جميع فترات عمره، وأنّ الإنابة لو كانت ناجعة في حياته الفردية فليست كذلك في حياته الاجتماعية، فلن تخضع له الأعناق، وتميل إليه القلوب.

الثاني: إنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة:

1ـ من كان طيلة عمره ظالماً.

2 ـ من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره .

3 ـ من كان ظالماً في بداية عمره، وتائباً في آخره.

4ـ من كان طاهراً في بداية عمره وظالماً في آخره.

عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ، الذي سأل الإمامة لبعض ذريته،أيّ قسم أراد منها ؟

حاش إبراهيم أن يسأل الإمامة للقسم الأول، والرابع من ذرّيته، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره، أو المتصف به أيام تصديه للإمامة لا يصلح لأن يؤتمن عليها.


(125)

فبقي القسمان الآخران: الثاني والثالث، وقد نصّ سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم، والظالم في هذه العبارة لا ينطبق إلاّ على القسم الثالث، أعني: من كان ظالماً في بداية عمره، وكان تائباً حين التصدي.

فإذا خرج هذا القسم، بقي القسم الثاني، وهو من كان نقي الصحيفة طيلة عمره، لم ير منه لا قبل التصدي ولا بعده أيّ انحراف عن جادّة الحق،مجاوزة للصراط السوي.

* * *

3ـ آية التطهير وعصمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

هناك آية أُخرى تدلّ على عصمة عدّة خاصة من أهل بيت النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

يقول سبحانه: (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(1).

و أداء حقّ الآية في التفسير، يتوقف على البحث عن النقاط التالية:

1ـ ما هو المراد من الرّجس؟

2ـ هل الإرادة في الآية، إرادة تكوينية خاصة بأهل البيت، أو تشريعية تعمّ كلّ إنسان بالغ واقع في إطار التكليف؟

3ـ مَن المراد من أهل البيت؟

4ـ مشكلة السياق في الآية لو كان المراد منهم غير نسائه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

5ـ أهل البيت في حديث النبي، الذي يكون مفسّراً لإجمال الآية.


1 - سورة الأحزاب: الآية 33.


(126)

و البحث عن هذه الأُمور يحوجنا إلى تأليف مفرد، وهو خارج عن وضع كتابنا(1)، إلاّ أنّ المهم هنا هو التركيز على أنّ الإرادة في الآية تكوينية، خاصة بأهل البيت، وليست تشريعية، وأمّا المقصود من أهل البيت، فقد تقدّمت المأثورات فيهم عند البحث عن حديث الثقلين.

الإرادة تكوينية لاتشريعية

إنّ انقسام ارادته سبحانه إلى القسمين المذكورين، من الانقسامات الواضحة، ومجمل القول فيهما أنّه إذا تعلقت إرادته سبحانه على إيجاد شيءتكوينه في صحيفة الوجود، فالإرادة تكوينية لا تتخلف عن المراد.

قال سبحانه:(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )(2).

و أما إذا تعلّقت بتشريع حكم وقانون، لفرض عمل المكلّف به، فالإرادة تشريعية، ومتعلّقها هو التشريع، وأمّا امتثال المكلف فهو من غايات التشريع، ربما يقع ويترتب عليه، وربما ينفك عنه.

و القرائن تدلّ على أنّ المراد هنا هو الأول من الإرادتين، بمعنى أنّ إرادته سبحانه، تعلّقت على إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهير هم من كل شيء يتنفر منه، على غرار تعلق إرادته بإيجاد الأشياء في صحيفة الوجود

و الذي يدلّ على ذلك أُمور:

1ـ إنّ الإرادة التشريعية لا تختص بطائفة دون طائفة، بل هي تعمّ المكلّفين عامة، يقول سبحانه، بعد أمره بالوضوء والتيمم عند فقدان الماء: (وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(3).


1 - قد أفاض الشيخ الأُستاذ الكلام في هذه المواضيع في موسوعته التفسيريّة، مفاهيم القرآن، ج 5، ص 215 ـ 322.
2 - سورة يس: الآية 82.
3 - سورة المائدة: الآية 6.


(127)

و لكنّه سبحانه خصّص إرادته في الآية المبحوث عنها، بجمع خاص، تجمعهم كلمة أهل البيت، وخصّهم بالخطاب وقال: (عَنْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ )، أي لا غيركم، فتخصيص الإرادة بجمع خاص على الوجه المذكور، يمنع من تفسيرها بالتشريعية.

2ـ إنّ العناية البارزة في الآية المباركة، أقوى شاهد على أنّ المقصود هو التكوينية، لوضوح أنّ تعلّق الإرادة التشريعية لا يحتاج إلى العنايات التالية:

أ ـ ابتداء سبحانه كلامه بلفظ الحصر، وقال: (إِنَّما)، ولا معنى للحصر إذا كانت تشريعية، لعمومها لكلّ مكلّف.

ب ـ عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص، فقال: (أَهْلَ الْبَيْتِ )، وهو منصوب على الاختصاص (1). أي أخصّكم أهل البيت.

ج ـ قد بيّن متعلق إرادته بالتأكيد، وقال بعد قوله: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ )، (لِيُطَهِّرَكُمْ).

د ـ قد أكّده بالإتيان بمصدره بعد الفعل، وقال: (و يطهّرهم تطهيراً)، ليكون أوفى في التأكيد.

هـ ـ إنّه سبحانه قد أتى بالمصدر نكرة، ليدلّ على الإكبار والإعجاب، أي تطهيراً عظيماً معجباً.

و ـ إنّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الإرادة تشريعية، لما ناسب الثناء والمدح.

و على الجملة: العناية البارزة في الآية، تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة في المقام تغاير الإرادة العامة المتعلقة بكلّ إنسان حاضر، أوباد. وللمحقّقين من الشيعة الإمامية كلمات وافية حول الآية تلاحظ في مواضعها (2).


1 - الاختصاص من أقسام المنادى، يقول ابن مالك:

الاختصاص كنداء دون يا * كأيّها الفتى بإثر ارجونيا

2 - تفسير التبيان، للشيخ الطوسي، (ت 383 ـ م 460)، ج 8، ص 340. ومجمع البيان، للشيخ الطبرسي، (ت 471 ـ م 548)، ج 4، ص 307. ورياض السالكين، للسيد علي المدني (م 1118)، الروضة 47،ص 497.


(128)

فالإرادة في الآية الشريفة، نظير الإرادة الواردة في الآيات التالية:

(وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ).(1)

(وَ يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ) (2).

(وَ مَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(3).

و أمّا دلالتها على العصمة، فتظهر إذا اطّلعنا على أنّ المراد من الرجس هو القذارة المعنوية لا المادية. توضيح ذلك: إنّ الرجس في اللغة هو القذر (4)، وقد يعبّر به عن الحرام، والفعل القبيح، والعذاب، واللعن، والكفر، قال الزجاج: «الرّجس ـ في اللغة ـ كل ما استقذر من عمل، فبالغ الله في ذمّ أشياءسماها رجساً». وقال ابن الكلبي: «رجس من عمل الشيطان، أي مأثم» (5).

و المتفحص في كلمات أئمة أهل اللغة، والآيات الواردة فيها تلك اللفظة، يصل إلى أنّها موضوعة للقذارة التي تنفر منها النفوس، سواء أكانت مادية كما في قوله تعالى: (إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ)(6)، أو معنوية كما في الكافر وعابد الوثن، وصنمه، قال سبحانه: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) (7).


1 - سورة القصص: الآية 5.
2 - سورة الأنفال: الآية 7.
3 - سورة المائدة: الآية 41.
4 - مقاييس اللغة، ج 2، ص 490، ولسان العرب ج 6 ص 94.
5 - لسان العرب، ج 6، ص 94.
6 - سورة الأنعام: الآية 145.
7 - سورة الحج: الآية 30.


(129)

و قال سبحانه: (كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ)(1).

فلو وصف العمل القبيح بالرجس، فلأنّه عمل قذر، تتنفر منه الطباع السليمة.

و على ضوء هذا، فالمراد من الرّجس في الآية، كلّ عمل قبيح عرفاً أو شرعاً، لا تقبله الطباع، ولذلك قال سبحانه بعد تلك اللفظة: (وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، فليس المراد من التطهير، إلاّ تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي تعدّ المعاصي والمآثم من أظهر مصاديقه.

و قد ورد نظير الآية في حق السيدة مريم قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (2).

و من المعلوم أنّ تعلّق الإرادة التكوينية على إذهاب كلّ رجس وقذارة، وكلّ عمل منفّر عرفاً أو شرعاً، يجعل من تعلّقت به الإرادة، إنساناً مثالياً، نزيهاً عن كل عيب وشين، ووصمة عار (3).

* * *

إلى هنا ظهر بوضوح أنّ العصمة شرط للإمام بالمعنى الذي يتبنّاه الإمامية في مجال الإمامة، والآيتان الأوليان تدلاّن على عصمة الإمام مطلقاً،الآية الثالثة تدلّ على عصمة أهل البيت الذين نزلت فيهم الآية وفسّرت في غير واحد من الروايات، وهم من كان إماماً وخليفةً للرسول كعلي الحسنين ـ عليهما السَّلام ـ، ومن كانت طاهرةً مطهّرةً كالسيدة فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ ، وإن لم تكن إماماً.

* * *

بقيت هنا أبحاث موجودة في كتب الإمامة للشيعة الإمامية، طوينا البحث


1 - سورة الأنعام: الآية 125.
2 - سورة آل عمران: الآية 42.
3 - وحول الآية أبحاث لطيفة، فمن أراد التبسّط فليرجع إلى المصدر الذي تقدّم الإيعاز إليه.


(130)

عنها، لعدم الحاجة إلى البحث فيها بعد انتشار هذه الكتب وذيوعها وهي عبارة عن الأبحاث التالية:

1ـ البحث عن الآيات الواردة في حق الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ .

2ـ البحث عن الفضائل والمناقب الواردة في حقّه على لسان النبي الأكرم، ونقلها أصحاب الصحاح والمسانيد.

3ـ نفسيات الإمام وفضائله الأخلاقية التي اعترف بها التاريخ.

4ـ كونه أعلم الصحابة وأوعاهم بالكتاب والسنّة، وقد كان الخلفاء يحتكمون إليه في مواضع لاتحصى.

5ـ احتجاجاته على كونه أحقّ بهذا الأمر (خلافة الرسول) ممّن تسنموا منصة الخلافة.

و من أراد التبسّط في هذه المواضيع، فعليه بالكتب المعدّة للإمامة (1).


1 - لاحظ الشافي للسيد المرتضى (م 436 هـ)، وتلخيصه لتلميذه الشيخ الطوسي (م 460 هـ)، ونهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي (م 726 هـ)، وإحقاق الحق للقاضي التستري (م 1019 هـ)، ودلائل الصدق للمظفر النجفي. وغيرها من مؤلفات كبار ورسائل صغار.


(131)

البحث الرابع

الإمام المنتظر في الكتاب والسنّة

قد تعرفت على عدد الأئمة وأسمائهم، غير أنّ إفاضة القول في خصوصياتهم، وعلومهم وفضائلهم، ونتائج جهودهم في مجال العلم والفقه الحديث، ومن ربّوه وأنتجوه من الرواة الوعاة، وما لاقوه من اضطهاد خلفاء عصرهم، يحتاج إلى تأليف حافل.

و لأجل ذلك طوينا الصفح عن هذه المباحث، إلاّ أنّ الاعتقاد بالإمام المنتظر، مهدي هذه الأُمّة، لمّا كان أصلاً رصيناً في أبحاث الإمامة للشيعة،كان الاعتقاد به أمراً مشتركاً بين طوائف المسلمين، رجّحنا إلقاء الضوء على هذا الأصل على وجه الإجمال، ولا طريق لإثبات وجوده، وولادته، وعمره،ظهوره، وآثاره، بعد الظهور، وأصحابه، إلاّ السمع، فنقول:

كلّ من كان له إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة، عن النبي وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم والجور، ونشر أعلام العلم، والعدل وإعلاء كلمة الحق، وإظهار الدين كلّه ولو كره المشركون، فهو بإذن الله تعالى ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير الله، ويلغي الأخلاق العادات الذميمة، ويبطل القوانين الكافرة التي سنتها الأهواء، ووضعتها يد بني البشر، ويقطع أواصر التعصبات القومية والعنصرية، والوطنية،يميت أسباب العداوة والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة


(132)

و افتراق الكلمة، واشتعال نيران الفتن والمنازعات، ويحقق الله سبحانه بظهوره، وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:

(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (1).

(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (2).

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (3).

و يأتي عصر ذهبي لايبقى فيه على الأرض بيت إلاّ دخلته كلمة الإسلام، ولا تبقى قرية إلاّ وينادى فيها بشهادة: «لا إله إلاّ الله»، بكرة وعشياً.

هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأول، والأزمنة المتلاحقة، ولأجل ذلك استغلّ بعض المتهوسين قضية الإمام المهدي، فادّعوا المهدويّة، و لم نعهد أحداً ردّه بإنكار أصل هذه البشائر، وإنّما ناقشوه في الخصوصيات وعدم انطباق البشائر عليه(4).


1 - سورة النور: الآية 55.
2 - سورة القصص: الآية 5.
3 - سورة الأنبياء: الآية 105.
4 - وقد ألّف غير واحد من أعلام السّنة كتباً حول الإمام المهدي ـ عليه السَّلام ـ ، كالحافظ أبي نعيم الأصفهاني له كتاب: «صفة المهدي»، والكُنجي الشافعي له: «البيان في أخبار صاحب الزمان»، وملاّ علي المتقي له: «البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان»، وعباد بن يعقوب الرواجني له: «أخبار المهدي»، والسيوطي له: «العرف الوردي في أخبار المهدي»،ابن حجر له: «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر»، والشيخ جمال الدين الدمشقي له: «عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر»، وغيرهم قديماً وحديثاً.
و لم ير التضعيف لأخبار الإمام المهدي إلاّ من ابن خلدون في مقدمته، وقد فنّد مقاله الأستاذ أحمد محمد صديق برسالة أسماها: «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون»،أخيراً نشر شخص يدعى أحمد المصري رسالة أسماها: «المهدي والمهدوية»، قام ـ بزعمه ـ بردّ أحاديث المهدي، وأنكر تلك الأحاديث الهائلة البالغة فوق حدّ التواتر، جهلاً منه بالسنّة والحديث.


(133)

و قد تضافر مضمون قول الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج رجل من ولدي، فيملؤها عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً» (1).

و قد عرفت أنّ بحث المهدي بحث نقلي لا يمتّ إلى العقل بصلة، فعلى من يريد اعتناقه، أو ـ والعياذ بالله ـ ردّه ورفضه، الرجوع إلى الصحاح المسانيد، وكتب الحديث والتاريخ، حتى يقف على عدد الروايات الواردة حول المهدي ـ عليه السَّلام ـ ، في مجالات مختلفة، وها نحن نأتي في المقام بفهرس الروايات التي رواها السنّة والشيعة فنقول:.

1ـ الروايات التي تبشّر بظهوره.    657 رواية.

2ـ الروايات التي تصفه بأنّه من أهل بيت النبي الأكرم ـ عليه السَّلام ـ    389 رواية.

3ـ الروايات التي تدلّ على أنّه من أولاد الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ     214 رواية.

4ـ الروايات التي تدلّ على أنّه من أولاد فاطمة ـ عليها السَّلام ـ بنت النبي    192 رواية.

5ـ الروايات التي تدلّ على أنّه التاسع من أولاد الحسين ـ عليه السَّلام ـ    148 رواية.

6ـ الروايات التي تدلّ على أنّه من أولاد الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ    185 رواية.

7ـ الروايات التي تدلّ على أنّه من أولاد الإمام الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ     146 رواية.

8 ـ الروايات التي تبيّن آباء الإمام الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ    147 رواية.

9ـ الروايات التي تدلّ على أنّه يملأ العالم قسطاً وعدلاً.    132 رواية.


1 - لاحظ مسند أحمد، ج 1، ص 99. وج 3، ص 17 و 70.


(134)

10ـ الروايات التي تدل على أنّ للإمام المهدي غيبة طويلة.    91 رواية.

11ـ الروايات التي تدلّ على أنّه يعمّر عمراً طويلاً.    318 رواية.

12ـ الروايات التي تدلّ على أنّ الإسلام يعمّ العالم كلّه بعد ظهوره    47 رواية.

13ـ الروايات التي تدلّ على أنّه الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت    136 رواية.

14ـ الروايات الواردة حول ولادته.     214 رواية.

و لو وجد هنا خلاف بين أكثر السنّة والشيعة، فهو الاختلاف في ولادته، فإنّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، والشيعة بفضل هذه الروايات، تذهب إلى أنّه ولد في «سرّ من رأى»، عام 255، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده، عام 260، وهو يحيا حياة طبيعية كسائر الناس، غير أنّ الناس يرونه ولا يعرفونه (1)، وسوف يظهره سبحانه ليحقّق عدله.

و لأجل أن يقف الباحث على نماذج من أحاديث المهدي في الصحاح والمسانيد، نذكر بعضاً منها وهو نزر يسير من الأحاديث الكثيرة التي رواها المحدّثون والحفاظ في كتبهم:

1ـ روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً، كما ملئت جوراً» (2).

2ـ أخرج أبو داود، عن عبد الله بن مسعود قال: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «لا تذهب ـ أولا تنقضي ـ الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» (3).


1 - وأمّا ما يلهج به بعض النواصب الأعداء، من أنّ الشيعة تذهب إلى غيبته في السرداب في سامراء، فهو من الأكاذيب التي ليس لها أصل أبداً لا في الكتب، ولا في صدور العوام، و إنّما افتعلوه إزدراءً بالعقيدة.
2 - مسند أحمد، ج 1، ص 99، و ج 3، ص 17 و 70.
3 - جامع الأصول ج 11، ص 48، الرقم 7810.


(135)

3ـ أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ، قالت: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: المهديّ من عترتي من ولد فاطمة (1).

4ـ أخرج الترمذي عن ابن مسعود أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «يلي رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». قال: وقال أبو هريرة: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي» (2).

5ـ روى ابن ماجة في سننه عن أبي أُمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدّجال، وحذّرناه، فكان من قوله: إنّه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال...» إلى أن قال: «و إمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم ليصلّي بهم الصبح، اب نزل عليهم عيسى بن مريم، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى، ليقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدّم فصلّ، فإنّها لك أُقيمت. فيصلي بهم إمامهم...» (الحديث) (3).

و سيجيء ذكر ما رواه البخاري ومسلم فيما يأتي.

قال بعض المحقّقين المعاصرين من أهل السنّة: «لاأرى لزاماً علينا نحن المسلمين أن نربط ديننا بهما (صحيحي مسلم والبخاري)، فلنفرض أنّهما لم يكونا، فهل تشل حركتنا وتتوقف دورتنا؟. لا، فالأُمّة بخير والحمد لله، والذين جاءوا بعد البخاري ومسلم استدركوا عليهما، واستكملوا جهدهما،وزنوا عملهما، وكشفوا بعض الخلاف في صحيحهما، وما زال المحدّثون في تقدم علمي، وبحث وتحقيق، ودراسة وجمع، ومقارنة وتمحيص، حتى يغمر الضوء كل مجهول، ويظهر كلّ خفي.


1 - المصدر السابق، ص 49، الرقم 7812.
2 - المصدر السابق، ص 48، الرقم 7810.
3 - سنن ابن ماجة، ج 2، باب فتنة الدجال وخروج عيسى، ص 512 ـ 515، وكنز العمال، ج 14، ص 292 ـ 296، الرقم 38742.


(136)

و لماذا نردّ حديثنا لمجرد أن قيل في بعض رواته أنّه لين، أو ضعيف، أو منقطع، أو مرسل، أو...؟.

نعم، هذه علل، تثير الشك والتساؤل، وتدفع إلى زيادة البحث والتعمّق، ولكن ـ كما أعتقد ـ إنّ بعض علل الحديث لا تلزم بالرد لهذا الحديث، فكثيراً ما نجد في بعض الطرق ضعفاً، وفي بعضها قوّةً فهو صحيح من طريق، حسن أو ضعيف من أخرى، ومعنى هذا أنّ الراوي الذي حكم عليه مثلاً بأنّه ينسى، تبيّن أنّه في هذه الواقعة لم ينس، فجاءت روايته مؤيّدة بما جاء عن غيره.

و أحاديث المهدي ـ في نظري ـ من هذا النوع، ولو بعضها. رغم أنّ بعض المسلمين ـ كابن خلدون ـ قد بالغ وضعفّها كلّها، وردّها وحكم عليها حكماً قاسياً، واتّهم كل هؤلاء الرواة ومن رووا عنهم بما لا يليق أن يظنّ فيهم.

إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين، أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

فلماذا نردّ كلّ هذه الكمية؟ أكلّها فاسدة؟! لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ بالله ـ نتيجة تطرّق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ثم إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه، وإنّما الخلاف حول من هو، حسني أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن، خفي وسيظهر؟ ظهر أو سيظهر؟ ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين، فليس لهم اعتبار.

ثم إنّي لم أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث، والذي أجده إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند، واتّصاله أو عدم اتّصاله ، ودرجة رواته،من خرّجوه، ومن قالوا فيه.


(137)

و إذا نظرنا إلى ظهور المهدي، نظرة مجرّدة، فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها، أو على الأقل عدم رفضها.

فإذا ما تأيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة، والأحاديث المتعددة، ورواتها مسلمون مؤتمنون، والكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة، والترمذي من رجال التخريج والحكم،بالإضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصحّ أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم، كحديث جابر في مسلم الذي فيه: «فيقول أميرهم (أي لعيسى) تعال صل بنا».(1) وحديث أبي هريرة في البخاري، وفيه: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم منكم» (2)، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير، وهذا الإمام هو المهدي.

يضاف إلى هذا أنّ كثيراً من السلف ـ رضي الله عنهم ـ، لم يعارضوا هذا القول، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة عند المسلمين» (3).

* * *


1 - صحيح مسلم، ج 1، باب نزول عيسى، ص 95. وفيه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : لا تزال طائفة من أُمّتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أُمراء، تكرمة الله لهذه الأُمّة.
و لاحظ كنز العمال، ج 14، ص 334، الرقم 38846.
2 - صحيح البخاري ج 4، باب نزول عيسى بن مريم ـ عليه السَّلام ـ ، ص 168. وصحيح مسلم، ج 1، باب نزول عيسى، ص 94، وكنز العمال، ج 14، ص 334، الرقم 38845.
3 - بين يدي الساعة للدكتور عبد الباقي، ص 123 ـ 125.