يکشنبه 31 ارديبهشت 1391 - الأحد 30 جمادى الثّانيه 1433 - Sun 20 May 2012
 
  • صفحه اصلي سايت
  • نسخه آر اس اس
  • ارتباط با ما
  • سايت عربي
  • آدرس دفاتر
 
 
 
:: الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 4 ::



(438)

مباحث الخاتمة

(2)

عدالة الصحابة في الكتاب والسنة

المشهور بين أهل السنة عدالة الصحابة جميعاً، قال ابن عبد البر: «تثبت عدالة جميعهم»(1).

وقال ابن الأثير: «والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل، فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح»(2).

وقال الحافظ ابن حجر: «اتّفق أهل السنة على أنّ الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة»(3).

هذه بعض كلمات القوم، وقد زعموا أنّ من يتتبع أحوال الصحابة لجرحهم، أو تعديلهم، فإنما يريدوا أن يجرحوا شهود المسلمين ليُبطلوا الكتاب والسنة.

غير أنّ الشيعة الإمامية، عن بكرة أبيهم، على أنّ الصحابة كسائر الرواة، فيهم العدول وغير العدول، وأنّ كون الرجل صحابياً لا يكفي في الحكم بالعدالة، بل يجب تتبع أحواله حتى يوقف على وثاقته.


1 - الإستيعاب، ج 1، ص 2، في هامش الإصابة.
2 - أسد الغابة، ج 1، ص 3.
3 - الإصابة، ج 1، ص 17.


(439)

والدليل الوحيد للقوم هو ما رووه عن النبي الأكرم أنّه قال: «مَثَلُ أصحابي كالنجوم بأيّهم اهتديتم اقتديتم»(1).

ولكن الاستدلال بالحديث باطل من وجوه:

1 ـ إنّ نصوص الكتاب تردّ صحة الاهتداء بكل صحابي أدرك النبي، فإنّه يقسمهم إلى طائفتين، طائفة صالحة عادلة، مرفوعة المقام والمكانة، وهؤلاء وصفوا بالسابقين الأوّلين، المبايعين تحت الشجرة، وغير ذلك(2).

وطائفة غير صالحة ولا عادلة، بل جامحة على النبي والمسلمين، وهم بين منافق عرف المسلمون نفاقه(3); ومن أخفى نفاقه وتمرّن عليه إلى حد لا يعرفه المسلمون حتى النبي الأكرم(4); ومُشرف على الإرتداد يوم دارت على المسلمين الدوائر، واشتدت الحرب بينهم وبين قريش(5); وفاسق يكذب في إخباره على النبي، يعرّفه الكتاب بأنّه فاسق لا يقبل قوله(6); ومريض القلب قد فقد الثقة بالله ورسوله فهو يؤيّد المنافقين من غير شعور(7); وسَمّاع للمنافقين يقبل كل ما سمع منهم(8); ومُوَلٍّ في ميدان الحرب أمام الكفار، لا يصغي لنداء النبي ولا يهمه إلا نفسه(9); ومسلم بلسانه دون قلبه فخوطب بأنّ الإيمان لم يدخل في قلبه(10); وجماعة أُلّفت قلوبهم بإعطاء الزكاة حتى يتّقى شرهم (11); وخالط عملاً صالحاً بعمل سيَّء (12).


1 - المصدر السابق.
2 - جامع الأصول، ج 9، كتاب الفضائل، ص 410، الحديث 6359.
3 - لاحظ سورة المنافقون.
4 - لاحظ سورة التوبة: الآية 102، وسورة الفتح: الآية 16 والآية 29.
5 - سورة التوبة: الآيتان 45 ـ 46.
6 - سورة الحجرات: الآية 6.
7 - سورة الأحزاب: الآية 12.
8 - سورة التوبة: الآية 47.
9 - سورة آل عمران: الآية 154.
10 - سورة الحجرات: الآية 14.
11 - سورة التوبة: الآية 60.
12 - سورة التوبة: الآية 102.


(440)

فهذه طوائف عشر من الصحابة الذين يمجدهم أهل السنة بوصف العدالة، وأنّ في الاقتداء بكل واحد منهم، الهداية إلى الصراط المستقيم. ولا أظن أنّ مَنْ سبر هذه الآيات وأمعن فيها يجرؤ على ذلك الادّعاء، بل سوف يرجع ويقول إنّ كثيراً ممن تشرّفوا بصحبة النبي، ما عرفوا قَدْرها، وكفروا بنعمة الله تبارك وتعالى، فبدلاً من أنْ يستثمروا هذه النعمة، فيكونوا في الجبهة والسنام من العدالة، خسروا أنفسهم وخسر من تبعهم.

إنّ التشرف بصحبة النبي لم يكن بأشدّ ولا أقوى من صحبة إمرأة نوح وامرأة لوط لزوجيهما، فما أغنتاهما عن الله شيئاً، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَ امْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَ قِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(1).

وإن التشرف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرف بالزواج من النبي وقد قال سبحانه في أزواج النبي: (يَا نِسَاءَ النَّبي مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً)(2). وليس الخطاب من قبيل إياكَ أعني واسمعي باجارة، بل الخطاب خاص بهنّ بشهادة قوله: (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)، فإن غيرهن لا يضاعف لهن العذاب.

إنّ تأثير الصحبة لم يكن تأثيراً كيميائياً، كتأثير بعض المواد في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب، بل كان تأثيرها تأثيراً شبيهاً بتأثير المعلم في التلميذ، والمرشد في المسترشد، ومن المعلوم أن مثل هذا يؤثّر في جمع من الأُمّة لا في كلهم. فمن البعيد جداً أن يكون للصحبة ثورة عارمة في قَلْب شخصيات الصحابة الّتي نشأت وترعرعت في العصر الجاهلي، وتربت على السنن السيئة، إلى شخصيات تُعَدّ مُثُلاً للفضل والفضيلة، من دون أن يشذّ منهم شاذ، فتصبح الألوف المؤلّفة الّتي تربو على مائة ألف مع اختلافهم في الأعمار والقابليات، رجالاً


1 - سورة التحريم: الآية 10.
2 - سورة الأحزاب: الآية 30.


(441)

عدولاً يستدر بهم الغمام ويؤتمر بهم في العقائد والشرايع، وغير ذلك من مجالات الاقتداء.

2 ـ إن السنة المتضافرة عن النبي الأكرم، على ارتداد الصحابة بعده، تردّ كون كل واحد منهم نجماً لامعاً يقتدى به. ومؤلفو الصحاح، وإن أفردوا أبواباً في فضائل الصحابة، إلا أنّهم لم يفردوا باباً بل ولا عنواناً في مثالبهم، وإنما لجأوا إلى إقحام ما ورد من النبي في هذا المجال، في أبواب أُخر ستراً لمثالبهم، ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحيحه في باب الفتن، وأدرجها ابن الأثير في جامعه في أبواب القيامة عند البحث عن الحوض. كل ذلك ستراً لأفعالهم وأوصافهم غير المرضية.

ولكن الصبح لا يخفى على ذي عيني، ففيما أوردوا من الأحاديث في هاتيك الأبواب شاهدٌ على أنّ صحابة النبي لم يكونوا مرضيين بل أنّ كثيراً منهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى.

روى البخاري ومسلم أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يَرِدُ عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال: من أُمّتي ـ فيحلئون عن الحوض، فأقول: «ياربّ، أصحابي». فيقول: «إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، أنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».

وفي بعض النصوص أنّ الناجي منهم ليس إلا همل النعم، وهو كناية عن العدد القليل.

هذا قليل من كثير، ذكرناه، وكفى في تنديد النبي بهم قوله: «سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي»(1).

3 ـ إنّ التاريخ المتواتر يشهد على ظهور الفسق من الصحابة في حياة النبي وبعده، وهذا الوليد بن عقبة نزل في حقه قوله سبحانه: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(2) ويشهد التاريخ على أنّه شرب الخمر، وقام ليصلي بالناس صلاة


1 - لاحظ في الوقوف على هذه الأحاديث، جامع الأُصول، لابن الأثير، ج 11، كتاب الحوض، في ورود الناس عليه، ص 120 ـ 121.
2 - سورة الحجرات: الآية 6.


(442)

الفجر، فصل أربع ركعات، وكان يقول في ركوعه وسجوده: إشربي واسقيني. ثم قاء في المحراب، ثم سلّم، وقال: هل أزيدكم إلى آخر ما ذكروه(1).

وهذا البخاري يروي مشاجرة سعد بن معاد، سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج، في قضية الإفك، فقد قال سعد بن عبادة لابن عمه: كذبت لعمرو الله. وأجابه ابن العم بقوله: كذبت لعمرو الله، فإنك منافق تجادل عن المنافقين(2).

أوَ لا تعجب أنّ هؤلاء يصف بعضهم بعضاً بالكذب والنفاق، ونحن نقول إنّهم عدول صلحاء. والإنسان على نفسه بصيرة.

إنّ الحروب الدائرة بين الصحابة أنفسهم لأقوى دليل على أنهم ليسوا جميعاً على الحق، فقد ثاروا على عثمان بن عفان وأجهزوا عليه. فكيف يمكن أن يكون القاتل والمقتول كلاهما على الحق والعدالة.

وهذا هو طلحة وذاك الزبير، جهّزا جيشاً جراراً لمحاربة الإمام، وأعانتهما عائشة، الّتي أُمرت مع سائر نساء النبي بالقرار في بيوتهن وعدم الظهور والبروز.

وهذا خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، الباغي على الإمام المفترض الطاعة بالنص أوّلاً، وبَيْعة المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ثانياً، فاهدر دماءً كثيرة لا يحصيها إلاّ الله سبحانه.

ومن العذر التافه تبريز أعمالهم الإجرامية بأنهم كانوا مجتهدين في أعمالهم وأفعالهم، مع أنه لا قيمة للاجتهاد أمام النص وإجماع الأُمّة، ولو كان لهذا الاجتهاد قيمة، لما وجدت على أديم الأرض مجرماً غير معذور، ولا جانياً غير مجتهد; (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً)(3).

هذا قُدامه بن مظعون، صحابي بدري شرب الخمر، وأقام عليه عمر


1 - الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 42، وأسد الغابة، ج 5، ص 190
2 - صحيح البخاري، ج 5، ص 118 في تفسير سورة النور.
3 - سورة الكهف: الآية 5.


(443)

الحد(1).

وهؤلاء الصحابة الذين خضبوا وجه الأرض بالدماء، فاقرأ تاريخ بسر بن أرطأة، فإنه قتل مئات من المسلمين، وما نقم منهم إلا أنّهم كانوا يحبون علي بن أبي طالب، ولم يكتف بذلك حتى قتل طفلين لعبيد الله بن عباس(2).

4 ـ أن تشبيه الصحابة بالنجوم، وأن الاقتداء بكل واحد منهم سبب للاهتداء، يعرب عن أنّ القائل يعتمد في ذلك على الذكر الحكيم، فإنّه سبحانه قال (وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)(3). ولكن شتان ما بين المشبه والمشبه به، إذ ليس كل نجم هادياً للضالّ، وإلا لقال تعالى: «وبِالنجومِ هُمْ يَهْتَدُونَ». فأيّ معنى ـ عندئذ ـ لهذا التشبيه.

5 ـ إنّ هذا الحديث موضوع على لسان النبي الأكرم، وصرحّ بذلك جماعة من أعلام أهل السُّنة.

قال أبو حيان الأندلسي ـ في معرض ردّه على الزمخشري الّذي أورد هذا الحديث ـ وقوله: «وقد رضي رسول الله لأُمّته اتّباع أصحابه والاقتداء بآثارهم في قوله: أصحابي كالنجوم الخ»، لم يقل ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو حديث موضوع لا يصح بوجه عن رسول الله».

ثم نقل قول الحافظ ابن حزم في رسالته في إبطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد، ما نصه: «وهذا خبر مكذوب باطل لم يصح قطّ».

ثم نقل عن البزاز صاحب المسند قوله: وهذا كلام لم يصح عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وشرع بالطعن في سنده(4).

ورد ابن قيم هذا الحديث وضعف أسانيده وقال رداً على من استدل في


1 - أسد الغابة، ج 4، ص 199.
2 - الغارات، للثقفي، ج 2، ص 591 ـ 628، تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 186 ـ 189، الكامل، ج 3، ص 192 ـ 193.
3 - سورة النحل: الآية 16.
4 - لاحظ جميع ذلك في تفسير البحر المحيط، ج 5، ص 528.


(444)

صحة التقليد، بهذا الحديث: كيف استجزتم ترك تقليد النجوم الّتي يُهتدى بها وقلّدتم مَنْ هم دونهم بمراتب كثيرة، فكان تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد آثر عندكم من تقليد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي»(1)؟

وقال الذهبي في جعفر بن عبد الواحد، ومن بلاياه، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منه اهتدى»(2).

كلمة الإمام زين العابدين في الصحابة

إنّ الشيعة، تبعاً للدلائل المتقدمة، واقتداءً بأئمتهم، يقدّسون الصحابة الذين عملوا بكتاب الله سبحانه وسنة نبيه، ولم يتجاوزوهما، كما أنّهم يتبّرأون ممن خالف كتاب الله وسنة رسوله، وفي هذا المقام كلمة مباركة للإمام زين العابدين قال في دعاء له:

«أللّهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في موّدته، والذين هجرتهم العشائر. إذا تعلّقوا بعروته، وانتفت منهم القربات، إذا سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك، دعاة لك إليك. واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم. اللّهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا»(3).


1 - لاحظ أعلام الموقعين، ج 2، ص 223.
2 - ميزان الاعتدال، للذهبي ج 1، ص 413.
3 - الصحيفة السجادية الدعاء الرابع مع شرح «في ظلال الصحيفة السجادية»، ص 55 ـ 56.


(445)

تحليل الاستدلال بآيتين على عدالة الصحابة

وربما يستدل على عدالة الصحابة بآيتين:

الأُولى: قوله سبحانه: (لَقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)(1) فإنّ ظاهره أنّه سبحانه رضى عنهم، والرضا آية كونهم مطيعين غير خارجين عن الطاعة، وليس للعدالة معنى إلا ذلك.

ويلاحظ عليه: أولاً: إنّ الآية نزلت في حق مَنْ بايَعَ النبي تحت الشجرة في غزوة الحديبية، لا في حق جميع الصحابة، وقد كانوا في ذاك اليوم ألفاً وأربعمائة.

أخرج مسلم وابن جرير وابن مردوية عن جابر ـ رضي الله عنه ـ، قال: «كنّا يوم الحديبية، ألفاً وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال بايعناه على أنْ لا نفر ولم نبايعه عى الموت»(2). فأقصى ما يثبته الحديث هو رضاه سبحانه عن العدد المحدود. وأين هو من رضاه سبحانه عن الآلاف المؤلفة من الصحابة.

وثانياً: إنّ ظرف الرضا مذكور في الآية، وهو وقت البيعة حيث يقول: (لَقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ)، ومن المعلوم أنّ الرضا في ظرف خاص لا يدل على الرضا بعده إلا إذا ثبت أنّهم بقوا على الحالات الّتي كانوا عليها، وهو غير ثابت. وإثباته بالإستصحاب، أوهن من بيت العكبوت.

وليس هذا مختصاً بهؤلاء، فإن الإيمان والأعمال الصالحة، إنما تفيد إذا لم يرتكب الإنسان ما يبطل أثرهما، سواء أقلنا بالإحباط أو لا.

وثالثاً: إنه سبحانه يقول في نفس السورة: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا


1 - سورة الفتح: الآية 18.
2 - الدر المنثور، ج 6، ص 74.


(446)

عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)(1).

وهذا يعرب عن أنّ بعض المبايعين كانوا على مظنة النكث بما عاهدوا وبايعوا عليه، وأن البعض الآخر كانوا على مظنة الوفاء به وإلا فلو كان الوفاء معلوماً منهم، فما معنى هذا الترديد. وليست الآية خطاباً قانونياً حتى يقال إنها من قبيل إيّاك أعني واسْمعي يا جارة، بل قضية خارجية مختصة بأُناس معينين.

ورابعاً: إنّ السُّنّة تدل على أنّ نزول السكينة كان مختصاً بمن علم منه الوفاء، وبالتالي يكون الرضا أيضاً مخصوصاً بهم.

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)، قال: إنما أُنْزلت السكينة على من علم منه الوفاء»(2).

وخامساً: إنّ الرضا تعلق بالمؤمنين. ومن المعلوم أنّه بايع النبي في غزوة الحديبية جماعة من المنافقين أيضاً، بلا خلاف. وبما أنهم كانوا مختلطين غير متميزين فلا يحكم على كل واحد بالرضا والعدالة، إلاّ إذا ثبت أنه مؤمن غير منافق.

وكيف يمكن أنْ يكون للآية عموم أفرادي وأزماني يعمّ جميع المبايعين إلى آخر أعمارهم، مع أنّ طلحة والزبير ممن بايعا بيعة الرضوان، وقد وقع منهما من قتال عليٍّ ما خرجا به عن الإيمان وفسقا عند جمع من المسلمين، كالمعتزلة ومن جرى مجراهم، ولم يمنع وقوع الرضا في تلك الحال من وقوع المعصية فيما بعد، فماذا الّذي يمنع من مثل ذلك في غيرهم(3).

الآية الثانية: قوله سبحانه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَ رِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي


1 - سورة الفتح: الآية 10.
2 - الدر المنثور، ج 6، ص 73.
3 - لاحظ التبيان، ج 9. ص 329.


(447)

الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْرًا عَظِيًما)(1).

والاستدلال مركّز على قوله: (وَ الَّذِينَ مَعَهُ)، وهم موصوفون بأوصاف سبعة: 1 ـ أشداء على الكفار، 2 ـ رحماء بينهم 3 ـ تراهم ركعاً، 4 ـ سجداً، 5 ـ يبتغون فضلاً من الله، 6 ـ ورضوانا، 7 ـ سيماهم في وجوههم من أثر السجود.

وكأنّ المستدل يستظهر من الآية أنّها بصدد بيان أنّ كل من كان مع النبي كان على هذه الصفات السبع الّتي لا تنفك عن العدالة، وأنّ مضمونها قضية خارجية راجعة إلى الجماعة الّتي كان الزمان والمكان يجمعانهم والنبي الأكرم.

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ الآية على خلاف المقصود أدلّ، فإنها، وإن كانت قضية خبرية بظاهرها، ولكنها بمعنى الإنشاء، فهي بصدد أمر من كان معه على أن يكونوا بهذه الصفات، وهذا نحو قولك: «ولدي يصلي»، فهو بمعنى: «صلّ يا ولد» فالآية تُزَيّف منطق من يدّعون أن الصحابة مصونون عن كل قبيح، فهم لصحبتهم الرسول، نبراس منير، لأنّ الآية تحمل صورة رائعة عن سيرة الذين كانوا مع الرسول وأنّهم يجب أن يكونوا على هذه الصفات السبع، فيكونون في سلبيّتهم (أشداء على الكفار) مثل سلبيّته، وإيجابيتهم بين أنفسهم (رحماء بينهم) كإيجابيّته، وهكذا سائر صفاتهم من الركوع والسجود وابتغاء الفضل والرضوان. والآية وإن كانت نازلة في حق جماعة خاصة كانوا مع الرسول، ولكنها ليست قضية خبرية، بل تحمل قضية إنشائية، وطلباً وإيجاباً منهم لأن يكونوا على هذه الصفات السبع.

ولأجل ذلك ترى أنّه سبحانه يخصص وعد المغفرة وإعطاء الأجر العظيم. بعدة منهم، ويقول في آخر الآية: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً). وهذا التبعيض والتخصيص إيعاز إلى أنّ هذه


1 - سورة الفتح: الآية 29.


(448)

الصفات السبع، ربما تتحقق في صورها وظواهرها دون حقيقتها وواقعيتها الّتي هي الإيمان بالله والعمل الصالح.

وثانياً: إنّه يمكن أنْ يراد من قوله: (وَ الَّذِينَ مَعَهُ)، غير المعية الزمانية والمكانية، حتى يقال بأنّها مختصة بصحابته المعاصرين، منحسرة عمن بعده من التابعين، وأتباعهم إلى يوم الدين، وإنّما يراد الذين معه في رسالته الإلهية تصديقاً وإيماناً وتطبيقاً، ومعه في حملها كما حملها، ومعه في جهاده وصبره كما جاهد وصبر.

وعند ذلك تعم الآية الأُمة الإسلامية جميعاً، إلى يوم الدين، وتكون أجنبية عن مسألة عدالة الصحابة، وتعرب عن أنّ من كان مع الرسول يجب أنْ يكون بهذه الصفات والسمات، ومع الإيمان والعمل الصالح.

وثالثاً: إنّ الاستدلال لا يكتمل إلا بجمع الآيات الواردة في شأن الصحابة حتى يستظهر من الجميع ما هو مقصوده سبحانه وقد عرفت أنّ آيات كثيرة تندد بأقسام عشرة من صحابة النبي والذين كانوا معه، وأنّهم كانوا بين معلوم النفاق ومخفيّه، ومشرفين على شفير هاوية الارتداد، إلى غير ذلك من الأقسام، ومع ذلك كيف يمكن الاستدلال بآية وتناسي الآيات الأخر. كل ذلك يعرب عن أنّ المفسر لا يصح له اتخاذ موقف حاسم في موضوع واحد إلا بملاحظة جميع الآيات الّتي لها صلة به.

* * *


(449)

مباحث الخاتمة

(3)

الشيعة واتّهامهم بتحريف القرآن

إنّ القرآن الكريم أحد الثقلين اللّذين تركهما النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بين الأُمة الإسلامية وحث على التمسك بهما، وأنّهما لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض، وقد كتب سبحانه على نفسه حفظه وصيانته وقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1).

وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفع، وماحل مصدّق، منْ جَعَلَهُ أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار»(2).

وقال أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ هذا القرآن هو الناصح الّذي لا يغش، والهادي الّذي لا يضلّ»(3).

وقال ـ عليه السَّلام ـ : «ثم أنْزَلَ عليه الكتاب نوراً لا تُطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، ومنهاجاً لا يضل نهجه... وفرقاناً لا يخمد برهانه»(4).

بل إنّ أئمة الشيعة جعلوا موافقة القرآن ومخالفته ميزاناً لتمييز الحديث


1 - سورة الحجر: الآية 9.
2 - الكافي، ج 2 ص 238.
3 - نهج البلاغة، الخطبة 176.
4 - نهج البلاغة، الخطبة 198.


(450)

الصحيح من الباطل، قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «ما لم يوافق من الحديث القرآن، فهو زخرف»(1).

ومع ذلك كله اتّهمَتِ الشيعة ـ اغتراراً ببعض الروايات الواردة في جوامعهم الحديثة ـ بالقول بتحريف القرآن ونقصانه، غير أنّ أقطاب الشيعة وأكابرهم رفضوا تلك الأحاديث كما رفضوا الأحاديث الّتي رواها أهل السنة في مجال تحريف القرآن، وصرّحوا بصيانة القرآن عن كل نقصان وزيادة وتحريف. ونحن نكتفي فيما يلي بذكر بعض النصوص لأعلام الإمامية، الواردة في هذا المجال:

1 ـ قال الصدوق (م 381 هـ): «اعتقادنا في القرآن الّذي أنزله الله تعالى على نبيّه هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنّا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب»(2).

2 ـ وقال الشيخ المفيد (م 413 هـ): «قد قال جماعة من أهل الإمامة إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة، ولكن حذف ما كان ثبتاً في مصحف أمير المؤمنين من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله وذلك ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله الّذي هو المعجز، وقد يسمى تأويل القرآن قرآناً.

قال تعالى: (وَ لاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْني عِلْماً)(3)، فسمّى تأويل القرآن قرآناً. وعندي أنّ هذا القول أشبه بمقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل، ولله أسال توفيقه للصواب وأما الزيادة فمقطوع على فسادها»(4).

3 ـ وقال الشيخ الطوسي (م 460 هـ): أمّا الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها وأما النقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الّذي نصره المرتضى، وهو الظاهر في الروايات.. إلى أن قال: ورواياتنا متناصرة بالحث على


1 - الكافي، ج 1، كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنة، الحديث 4.
2 - عقائد الصدوق، ص 93 من النسخة الحجرية الملحقة بشرح الباب الحادي عشر.
3 - سورة طه: الآية 114.
4 - أوئل المقالات، ص 55.


(451)

قراءته والتمسك بما فيه وردّ ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه، وعرضها عليه، فما وافقه عُمِل به، وما خالفه تُجُنِّب ولم يُلْتَفَت إليه»(1).

4 ـ قال الطبرسي مؤلف مجمع البيان (م 548): «فأما الزيادة فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية أهل السنة أنّ في القرآن نقصاناً والصحيح من مذهبنا خلافه وهو الّذي نصره المرتضى - قدس سره -، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات، وذكر في مواضع أنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم تبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوّة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أنْ يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد(2).

هؤلاء هم أعلام الشيعة في القرون السابقة من ثالثها إلى سادسها، ويكفي ذلك في إثبات انّ نسبة التحريف إلى الشيعة ظلم وعدوان.

وأما المتأخرون فحدّث عنه ولا حرج فهم بين مصرِّح بصيانة القرآن عن التحريف، إلى باسط القول في هذا المجال، إلى مؤلّف أفرده بالتأليف.

ونختم المقالة بكلمة قيمة للأُستاذ الأكبر الإمام الخميني قال: «إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه، قراءةً وكتابةً، يقف على بطلان تلك المزعمة (التحريف)، وأنّه لا ينبغي أن يركن إليها ذو مسكة، وما ورد فيه من الأخبار، بين ضعيف لا يستدل به، إلى مجعول تلوح منه أمارات الجعل إلى غريب يقضي منه العجب، إلى صحيح، يدل على أن مضمونه تأويل الكتاب وتفسيره، إلى غير ذلك من الأقسام الّتي يحتاج بيان المراد منها إلى تأليف


1 - التبيان، ج 1، ص 3.
2 - مجمع البيان، المقدمة، الفن الخامس، ولاحظ بقية كلامه.


(452)

كتاب حافل. ولولا خوف الخروج عن طور البحث لأوضحنا لك أنّ الكتاب هو عين ما بين الدفتين وأنّ الاختلاف في القراءة ليس إلاّ أمراً حديثاً لا صلة له بما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين»(1).

تحريف القُرآن في روايات الفريقين

روى الفريقان روايات في تحريف القرآن، وقد قام أخيراً أحد المصريين بتأليف كتاباً أسماه «الفرقان»، ملأه بكثير من هذه الروايات. كما أنّ المحدث النوري ألف كتاباً باسم «فصل الخطاب» أودع فيه روايات التحريف، وليس هذا وذاك أوّل من نقل روايات التحريف، بل هي مبثوثة في كتب التفسير والحديث. وهذا هو القرطبي يقول في تفسير سورة الأحزاب: أخرج أبو عبيد في الفضائل، وابن مردوية، وابن الأنباري عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن»(2).

وهذا هو البخاري، يروي عن عمر قوله: «لولا أنْ يقول الناس إنّ عمر زاد في كتاب الله، لكتبت آية الرجم بيدي»(3).

وغير ذلك من الروايات الّتي نقل قسماً منها السيوطي في الإتقان(4).

ومع ذلك فنحن نُجِلّ علماء السنّة ومحققيهم عن نسبة التحريف إليهم، ولا يصح الاستدلال بالرواية على العقيدة، ونقول مثل هذا في حق الشيعة، وقد تعرفت على كلمات الأعاظم منهم في العصور المتقدمة، وعرفت أنّ الشيخ المفيد يحمل هذه الروايات على أنّها تفسير للقرآن، وأنّ ما يدلّ على التحريف بالدلالة المطابقية يضرب به عرض الجدار.


1 - تهذيب الأُصول، تقريراً لأبحاث الإمام الخميني في أُصول الفقه، ج 2، ص 96.
2 - تفسير القرطبي، ج 14، ص 113، ولاحظ الدر المنثور، ج 5، ص 180.
3 - صحيح البخاري، ج 9، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء، ص 69، ط مصر.
4 - الإتقان، ج 2، ص 30.


(453)

إنّ المحقق الأستاذ الشيخ جواد البلاغي تدارس الروايات، فخرج بهذه النتيجة وهي أنّ القسم الوافر منها يرجع أسانيده إلى بضعة أشخاص وصفوا في علم الرجال بالصفات التالية:

1 ـ ضعيف القول، فاسد المذهب، مجفو الرواية.

2 ـ مضطرب الحديث والمذهب، يعرف حديثه وينكر، ويروي عن الضعفاء.

3 ـ كذاب متّهم، لا تستحل رواية حديث واحد من أحاديثه.

4 ـ غال كذّاب.

5 ـ ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه ومن الكذابين.

6 ـ فاسد الرواية يرمى بالغلو.

ومن المعلوم أنّ رواية هؤلاء لا تجدي شيئاً، وإن كثرت وعالت وأمّا المراسيل فهي مأخوذة من تلك المسانيد.

هذا بعض القول في تنزيه الشيعة بل المسلمين عامة عن وصمة التحريف، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الرسائل المؤلفة في هذا الموضوع(1).

* * *


1 - لاحظ مقدمة تفسير آلاء الرحمن للعلامة البلاغي، ج 1، ص 26. وتفسير الميزان، ج 12، ص 106، 137، وتفسير البيان للمحقق الخوئي، ص 215 ـ 254. وإظهار الحق للعلامة الهندي، ج 2، ص 128، فإن فيها كفاية وغنى لطالب الحق.


(454)

مباحث الخاتمة

(4)

المتعة في الكتاب والسنّة

حقيقة نكاح المتعة، تزويج المرأة الحرة الكاملة، إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية، بمهر مسمى، إلى أجل مسمى، بالرضا والاتّفاق، فإذا انتهى الأجل تبِين منه من غير طلاق. ويجب عليها مع الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدة الطلاق إذا كانت ممن تحيض، وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً. وولد المتعة ذكراً أكان أو أنثى يلحق بالأب، ولا يدعى إلاّ له وله من الإرث، ما أو صانا الله به سبحانه في آية المواريث من أنّ للذكر مثل حظّ الأُنثيين، كما يرث من الأُم، وتشمله جميع العمومات الواردة في الأبناء والآباء والأُمهات، وكذا العمومات الواردة في الأُخوة والأخوات، والأعمام والعمّات.

وبالجملة المتمتع بها زوجة حقيقة، وولدها ولد حقيقة، ولا فرق بين هذا الزواج والزواج الدائم، إلاّ أنّه لا توارث بين الزوجين ولا قسم ولا نفقة لها، كما أنّ له العزل عنها، وهذه الفوارق الجزئية، فوارق في الأحكام لا في الماهية، والماهية واحدة، غير أنّ أحدهما مؤقّت والآخر غير مؤقت، وأنّ الأول ينتهي بانتهاء الوقت، والثاني ينفصم بالطلاق أو بالفسخ.

وقد أجمع أهل القبلة على أنّه سبحانه شرع هذا النكاح في دين الإسلام في صدره، ولا يشك أحد ولا يتردد في أصل مشروعيته، وإنّما وقع الكلام في نسخه أو بقاء مشروعيته.


(455)

وأوضح دليل على مشروعيته في صدر الإسلام، نَهْي عمر عنها حيث قال: مُتْعتان كانتا على عهد رسول الله حلالاً، وأنا أُحرِّمُهُما، وأُعاقب عليهما: إحداهما متعة النساء... والأُخرى متعة الحج(1). فإنّ النهي إمّا كان اجتهاداً من عمر كما هو ظاهر كلامه، أو كان مستنداً إلى نصّ من رسول الله كما وُجِّه به كلامه. وعلى كلا التقديرين، يدلّ على جوازه في فترة خاصة، وهذا واضح لمن أَلمّ بفقه المذاهب الإسلامية.

والأصل في ذلك قوله سبحانه: (وَ حَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيًما * وَ الُْمحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ(2) غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًما حَكِيًما)(3).

دلالة الآية على المُتْعَة

وقد ذَكَرَتْ أُمّةٌ كبيرةٌ من أهل الحديث والتفسير نزول الآية في مورد المتعة، أو جعلوا نزولها فيها أقوى الاحتمالين نشير إلى بعضهم:

1 ـ إمام الحنابلة أحمد بن حنبل (م 241) في مسنده(4).

2 ـ أبو جعفر الطبري (م 310) في تفسيره(5).

3 ـ أبو بكر الجصّاص الحنفي (م 370) في أحكام القرآن(6).


1 - سنن البيهقي، ج 7، ص 206.
2 - المراد من الإحصان هو إحصان التعفف لا إحصان التزوّج. أي متعففين لا متزوجين ومن فسّره بإحصان التزوُّج فقد أخطأ. ويشهد لما ذكرنا من التفسير قوله (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي غير زانين .
3 - سورة النساء: الآيتان 23 ـ 24.
4 - مسند أحمد، ج 4، ص 436.
5 - تفسير الطبري، ج 5، ص 9.
6 - أحكام القرآن، ج 2، ص 178.


(456)

4 ـ أبو بكر البيهقي (م 458) في السنن الكبرى(1).

5 ـ محمود بن عمر الزمخشري (م 538) في الكشّاف(2).

6 ـ أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي (م 567) في تفسيره(3).

7 ـ أبو عبد الله فخر الدين الرازي الشافعي (م 606) في تفسيره(4).

8 ـ أبو الخير القاضي البيضاوي (م 685) في تفسيره(5).

9 ـ علاء الدين البغدادي (م 741) في تفسيره(6).

10 ـ الحافظ عماد الدين ابن كثير الدمشقي (م 745) في تفسيره(7).

11 ـ جلال الدين السيوطي (م 911) في الدر المنثور(8).

12 ـ أبو السعود العمادي الحنفي (م 982) في تفسيره(9).

13 ـ القاضي الشوكاني (م 1250) في تفسيره(10).

14 ـ شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي (م 1270) في تفسيره(11).

وينتهي نقل هؤلاء إلى أُناس أمثال: ابن عباس وأُبَيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، كما أنّ ناقل هذه الروايات رجال الحديث والتفسير كما عرفت، فلا يمكن اتّهامهم بالوضع والجعل، هذا حسب أسباب النزول.


1 - السنن الكبرى، ج 7، ص 205.
2 - الكشاف، ج 1، ص 360.
3 - تفسير القرطبي، ج 5، ص 130.
4 - مفاتيح الغيب، ج 3، ص 200.
5 - تفسير البيضاوي، ج 1، ص 267.
6 - تفسير الخازن، ج 1، ص 357.
7 - تفسير ابن كثير، ج 1، ص 774.
8 - الدر المنثور، ج 2، ص 140.
9 - هامش تفسير الرازي، ج 3، ص 251.
10 - تفسير الشوكاني، ج 1، ص 414.
11 - روح المعاني، ج 5، ص 5.


(457)

ثم إنّ هناك قرائن تؤيّد كون المراد من قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، نكاح المتعة، وهي:

1 ـ أنّ جماعة من عظماء الصحابة كعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري وعمران حصين، وابن مسعود وأُبي بن كعب، كانوا يفتون بإباحتها، ويقرأون الآية هكذا: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ (إلى أَجل مُسَمّىً)، فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ). وهذا صريح في نكاح المتعة، ومن المعلوم ـ ولا يحتمل غيره ـ أن ليس مرادهم سقوط هذه الجملة من الذكر الحكيم، بل المراد بيان معنى الآية على نحو التفسير الّذي أَخذوه من الصادع بالوحي، ومن أُنزل عليه ذلك الكتاب ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ . ومن زعم أنّ هذه الجملة عند هؤلاء، جزء القرآن فقد أخطأ.

2 ـ إنّ الاستمتاع في الآية ظاهر في هذا النوع من الزواج، وقد كان معروفاً في صدر الإسلام بالمتعة والتمتع، فلا بد أن يحمل على هذا النوع من النكاح، لا على المعنى اللغوي الموجود في الزواج الدائم والمنقطع.

3 ـ إنّ النكاح الدائم قد مرّ تشريعه في صدر السورة حيث قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَ ثُلاَثَ وَ رُبَاعَ)(1) ولا وجه لتكراره، وتوهم أنّ وجه التكرار هو تبيين حكم صَداقِهِن الوارد في قوله: (أُجورهنَّ)، مدفوع بأنّه مرّ بيانه أيضاً، في صدر السورة، عند قوله: (وَ آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)(2)، بل جاء بيانه أيضاً قبل هذه الآية بقليل، في قوله تعالى: (وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْج مَكَانَ زَوْج وَ آتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً)(3).

ولا يصحّ جعل هذه الفقرة تأكيداً لقوله: (وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْج)، لأنّ الآية السابقة آكد بياناً من هذه الآية.


1 - سورة النساء: الآية 3.
2 - سورة النساء: الآية 4.
3 - سورة النساء: الآية 20.


(458)

4 ـ إنّ الآية تُفَرّع وجوب دفع الأُجور على الاستمتاع وهو يناسب الزواج المنقطع، الّذي هو المطلوب فيها، وأمّا المهر في النكاح الدائم فهو يملك بنفس العقد، غير أنّه لو طلق قبل المسّ يسقط النصف.

5 ـ ما تضافر نقله عن بعض الصحابة والتابعين من دعوى كون الآية منسوخة ببعض الآيات، فلو لم تكن الآية واردة في مورد المتعة فما معنى ادّعاء النسخ؟

وهذه القرائن لا تدع للآية ظهوراً إلاّ في العقد المنقطع.

ثم إنّ صاحب المنار أَصَرّ على أنّ المراد من الآية هو النكاح الدائم، واستدلّ بأنّ المتمتع بالنكاح المؤقت لا يقصد الإحصان دون المسافحة، بل يكون قصده المسافحة، فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه، ومنعها من التنقل في دمن الزنا، فإنْ لا يكون فيه شيء ما من إحصان المرأة الّتي تؤجّر نفسها كلّ طائفة من الزمن لرجل، فتكون كما قيل:

كرة حذفت بصوالجة * فتلقفها رجل رجل(1)

يلاحظ عليه: أنّه جعل السفاح في قوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)، بالمعنى اللغوي، وهو صَبُّ الماء وسفحه على الأرض، ومن ثَمّ جعل العقد المنقطع مصداقاً له، فصارت الآية ناهية عنه، وظاهرة في العقد الدائم.

لكن عزب عنه أنّ المراد من السفح هنا، هو الزنا لا المعنى اللغوي، والآية تؤكّد على أنّ الطريق المشروع في نيل النساء ومباشرتهن، هو النكاح لا الزنا، والزواج لا السفاح، وتدعو المؤمنين إلى التزوج لا الفجور. فتفسير (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) بالمعنى اللُّغوي، لا يناسب مفاد الآية.

والعجب أنّه غفل عن أنّ السفح، بمعنى صبّ الماء، مشترك بين الدائم والمنقطع والزنا، فلو أخذ به لم يبق مورد لمقابله، أعني قوله تعالى: (مُحْصِنينَ).


1 - المنار، ج 5، ص 13.


(459)

توضيح ذلك أنّ الآية تحرض على أمر مشروع وهو قوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)، وتنهى عن مقابله، الّذي يعدّ مفهوماً للآية، فلو قلنا بأنّ المراد من السفح في الآية، هو صبّ الماء، وهو مشترك بين الدائم والمنقطع والزنا، لم يبق لقوله محصنين مصداق ومورد.

وإنْ خُصّ بالزنا، كما هو الحق، يدخل الدائم والمنقطع تحت قوله: (مُحْصِنينَ)، ويبقى الزنا تحت قوله: (مُسَافِحِينَ).

ثم إنّ الإحصان الّذي يراد منه التعفف والاجتناب عن الزنا، يحصل بالدائم والمنقطع معاً، فتخصيصه بالأول غفلة عن حقيقة العقد المنقطع.

وما في آخر كلامه من تشبيه المرأة المتمتع بها، بِكُرَة تحذف بصوالجة مختلفة، يتلقها رجل عن رجل، جسارة على التشريع الإلهي، إذ لا شك أنّ النبي الأكرم سوّغ المتعة مدة، ولو في أمد قصير، وإنّما اختلفت الأُمّة في نسخه وعدمه. وعلى فرض النسخ، اختلفوا في زمانه، فهل يصحّ لنا التعبير عن سنّة النبي، الّذي لا يصدر إلاّ عن الوحي الإلهي، بهذا الشعر المبتذل، وما هو إلاّ لضعف البصيرة وقلة المعرفة؟!

وربما يقال في تخصيص الآية بالنكاح الدائم أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكوين البيت وإيجاد النسل والولد، وهو يختص بالنكاح الدائم، دون المنقطع الّذي لا يترتب عليه إلاّ إرضاء القوة الشهوية، وصبّ الماء وسفحه.

ولا يخفى أنّه خَلْطٌ بين الموضوع والفائدة المترتبة عليه، وما ذكر إنّما هو من قبيل الحكمة، وليس الحكم دائراً مدارها، ضرورة أنّ النكاح صحيح وان لم يكن هناك ذلك الغرض، كزواج العقيم واليائسة والصغيرة، بل أغلب المتزوجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر واستيفاء الشهوة من طريقها المشروع، ولا يخطر على بالهم طلب النسل أصلاً وان حصل لهم قهراً، ولا يقدح ذلك في صحة زواجهم.

ومن العجب حصر فائدة المتعة في قضاء الوطر، مع أنّها كالدائم قد يقصد منها النسل والخدمة وتدبير المنزل وتربية الأولاد والإرضاع والحضانة.


(460)

ونسأل المانعين الذين يتلقون نكاح المتعة، مخالفاً للحكمة الّتي لأجلها شرع النكاح، نسألهم عن الزوجين اللّذين يتزوجان نكاح دوام، ولكن ينويان الفراق بالطلاق بعد شهرين، فهل هذا النكاح صحيح أولا؟، لا أظن فقيهاً من فقهاء الإسلام، يمنع ذلك، وإلاّ فقد أفتى بغير دليل ولا برهان. فيتعين الأول، فأي فرق يكون حينئذ بين المتعة وهذا النكاح الدائم سوى أنّ المدة مذكورة في الأول، دون الثاني.

يقول صاحب المنار: «إنّ تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق، وإنْ كان الفقهاء يقولون: إنّ عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت، ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إيّاه يعد خداعاً وغشٌاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الّذي يشترط فيه التوقيت»(1).

أقول: نحن نفرض أنّ الزوجين رضيا بالتوقيت لبّاً، حتى لا يكون هناك خداع وغشّ، فهو صحيح بلا إشكال.

الآية غير منسوخة

ثم إنّ جماعة من المفسّرين والمحدّثين بعدما سلّموا نزول الآية في المتعة ودلالتها على مشروعيتها، تخلّصوا عن القول بمشروعيتها الناسخة إلى أقوال.

فبين قائل بأنّها منسوخة ببعض الآيات وقائل بأنّها منسوخة بالسنة. والقائلون بكونها منسوخة بالقرآن اختلفوا بدورهم في الآيات الناسخة، كما أنّ القائلين بأنّها نسخت بالسنّة اختلفوا كذلك في زمن النسخ اختلافاً كثيراً. وهذه الإختلافات، مع قرائن من التاريخ والسنّة، تدلّ على عدم وقوع النسخ:

أ ـ الخلاف في الآيات الناسخة

ممّا يدلّ على عدم نسخ آية المتعة، خلافهم في الآيات الّتي نسختها، إلى أقوال، لا يفي أيٌّ منها بالمدّعى:


1 - المنار، ج 3، ص 17.


(461)

القول الأول: إنّ الناسخ قوله سبحانه:(وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)(1).

وقد عزب عن القائل أنّ هذه الآية مكيّة، وآية المتعة مدنية، ولا معنى لناسخية آية لحكم لم يُشَرّع بعد.

أضف إليه أنّ نكاح المتعة داخل في الشقّ الأول. أعني قوله: (إلاّ على أَزواجهم).

القول الثاني: إنّها منسوخة بآية العدة، وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)(2) حيث تدلّ على أنّ انفصال الزوجين إنّما يحصل بطلاق وعِدّة، والمتعة ليس فيها عدّة ولا طلاق.

وهذا من غرائب الأقوال، وذلك أنّ القول بعدم العدّة في المتعة ناش من الجهل بأحكامها، فإنّ فيها العدة كالدائم غير أنّ عدتها حيضتان لمن تحيض وخمس وأربعين يوماً لمن لا ترى الحمرة وهي في سنّ من تحيض.

وأمّا الطلاق، فلم يدلّ دليل على أنّه وسيلة الفراق الوحيدة لكل زواج، وإنّما ينحصر دليل الطلاق بالنكاح الدائم.

القول الثالث: إنّها منسوخة بآية الميراث حيث لا ميراث في المتعة.

يلاحظ عليه: إنّ الميراث من أحكام الزواج، ونفي حكم في مورد، لا يدلّ على انتفاء الموضوع، فالمتمتع، بها زوجة يترتب عليها آثار الزوجية إلاّ ما خرج بالدليل، وانتفاء أثر ما لا يدل على فقدان الموضوع. مثلاً النفقة من أحكام الزوجية والناشزة لا نفقة لها ومع ذلك فهي زوجة. والكافرة، والقاتلة والمقود عليها في المرض إذا مات زوجها فيه قبل الدخول، زوجات، ولكن لا يرثن بل


1 - سورة المؤمنون: الآيات 5 ـ 7.
2 - سورة الطلاق، الآية الأُولى، ونظيره قوله تعالى: (وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء) (سورة البقرة: الآية 228).


(462)

قد تتحقق الوراثة من دون أنْ تكون هناك زوجية، كما إذا طلّق الرجل زوجته في مرض موته، وخرجت عن العدة، فمات الزوج إلى سنة من الطلاق، فترثه، وليست بزوجة. فبين الزوجية والوراثة عموم وخصوص من وجه.

ب ـ الخلاف في زمن النسخ

وممّا يدلّ على عدم النسخ اختلافهم في زمن نسخة إلى أقوال شتّى:

1 ـ أنّها أُبيحت ثم نهي عنها عام خيبر.

2 ـ ما حلَّت إلاّ في عمرة القضاء.

3 ـ كانت مباحة ونهي عنها في عام الفتح.

4 ـ أُبيحت عام أوطاس ثم نهي عنها(1).

وهذه الأقوال تنفي الثقة في وقوع النسخ.

على أنّ القول بنسخ الكتاب بأخبار الآحاد ممنوع جداً، وقد صحّ عن عمران بن الحصين أنّه قال: إنّ الله أَنزل المتعة وما نسخها بآية أُخرى، وأمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالمتعة وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه، يريد به عمر بن الخطاب(2).

ج ـ قرائن أُخرى على عدم النسخ

لكن هناك قرائن قطعية تدلّ على عدم النسخ وكفى في ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، لأيام، على عهد رسول الله وأبي بكر، وحتى (ثم) نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث(3).


1 - راجع في الوقوف على مصادر هذه الأقوال: كتاب الغدير، ج 6، وأصل الشيعة وأُصولها، ص 171. والأقوال في الثاني أكثر ممّا ذكرنا.
2 - التفسير الكبير للرازي، ج 10، ص 53. الإرشاد، ج 4، ص 169. فتح الباري، ج 4، ص 339، وجاء في بعض نسخ البخاري، كما نص عليه العسقلاني.
3 - صحيح مسلم، ج 1، ص 395.


(463)

وقد تضافر عن عليّ أنّه سُئِل عن آية المتعة، أمنسوخة؟ قال: لا. وقال: لولا نهي عن المتعة ما زنى إلاّ شقي(1).

أضف إلى ذلك ما تضافر من الروايات الدالّة على أنّ عُمَر هو الّذي نهى عن المتعة بعد تسنمه الخلافة، وقد أسند النهي إلى نفسه بقوله: إنّ رسول الله هذا الرسول، وإنّ القرآن، هذا القرآن، وإنّهما متعتان على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما، وأُعاقب عليهما، إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج إمرأة إلى أجل إلاّ غيبته بالحجارة، والأُخرى متعة الحج(2).

وأقصى ما يمكن أنْ يقال إنّ الخليفة رأى مصلحة في زمانه وأيامه، اقتضت أن يمنع من المتعة منعاً سياسياً لا دينياً ولذا قال: «وأنا أُحرّمهما وأُعاقب عليهما»، ولم يقل: «إنّ رسول الله حرّمَهُما أو نسخهما»، بل نسب التحريم إلى نفسه، وجعل العقاب عليها منه لا من الله. ومن المعلوم أن المنع السياسي يكون منعاً مؤقّتاً تابعاً لمصلحة الزمان، فإذا انقلبت المصلحة إلى غيرها، يرتفع النهي.

فالحق أنّ المتعة سنّة إسلامية أمر بها الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بوحي من الله سبحانه ليسدّ بذلك طريق الزنا وأنّ الحكمة الإلهية في إكمال الشريعة تقتضي تسويغ هذا النوع من الزواج، فالمسافرون مثلاً ولا سيما من تطول أسفارهم في طلب علم أو تجارة أو جهاد، أو مرابطة في ثغر، وهم في ميعة الشباب وريعان العمر، وتأجج سعير الشهوة، لا يخلو حالهم من أمرين: إمّا الصبر ومجاهدة النفس الموجب للمشقة، الّتي تنجر إلى الوقوع في أمراض مزمنة، وعلل مهلكة، وفيه إلقاء في العسر والحرج وعظيم المشقة، ممّا تأباه شريعة الإسلام السمحة السهلة، (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(3)، (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج)(4).

وإمّا الوقوع في الزنا والعهر والتوغل في المفاسد.


1 - تفسير الطبري، ج 5، ص 9.
2 - سنن البيهقي، ج 7، ص 206.
3 - سورة البقرة: الآية 185.
4 - سورة المائدة: الآية 6.


(464)

فما هو تكليف الشاب المغترب الّذي لا يقدر على الزواج الدائم، وأيُّهما يختار، يا قادة المسلمين ويا رجال الإصلاح؟.

غير أنّ الشيعة الإمامية، اقتفاء لأثر رسول الله، وأئمتهم الأطهار، ينادون بمل أفواههم بأنّ هناك طريقاً ثالثاً، جامعاً بين اليُسْر والشرف، وهو الزواج المؤقّت، على شروط وأحكام. ولعمري إنّ المتعة كانت رحمة رحم الله بها أُمة محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، كما قال حبر الأُمّة ابن عباس(1).

هذا، وفيما كتبه الأعلام حول المتعة غنى وكفاية، وما ذكرناه قبس من أنوار علومهم، وضياء من مشاعلهم، رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الله الباقين منهم، وجمع بهم كلمة المسلمين، وأوردهم المنهل الصافي المعين، أعني توحيد الكلمة، كما هم عليه من كلمة التوحيد، وقد بُني الإسلام على كلمتين:

كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة

بلغ القلم هذه السطور صبيحة يوم الاثنين السادس عشر من شهر شوال المكرم من شهور عام 1409 للهجرة النبوية المباركة، بيد العبد الفقير بذاته إلى الله سبحانه، أبي جعفر حسن بن محمد مكي العاملي، غفر الله لي ولوالديّ، وجعل ما كتبته وأَقدّمه إلى المجتمع الإنساني، ومحافل الفكر والمعرفة، ومدارس الحق والهداية، مذخوراً في خزائنه بأفضل ما يثيب تعالى عباده عليه، ويُؤْجِرُهم به، إنّه خير مُؤَمَّل ومَدْعُوٍّ ومُجيب.

(وآخِرُ دَعْواهُم أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)


1 - أحكام القرآن، ج 2، ص 179. بداية المجتهد، ج 2، ص 58. الدر المنثور، ج 2، ص 141.


(465)

ملحق(1)

تعليق للمؤلف

من المفيد الإشارة إلى شبهة يطرحها بعض المتشدقين بالتجدد والعصرنة، يقولون: إنّ بنيان الحكم في الإسلام مبني على أُسس الديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، ومن هذا المنطق، كان الطريق الّذي شرعه الإسلام لانتخاب الإمام والقائد، هو الشورى والاختيار الحر.

وهو غير صحيح من جهات عدّة:

الأُولى: إنّهم أرادوا بدعوى الديمقراطية، تصحيح خلافة الأوائل، الّتي يعرف القاصي والداني أية ديمقراطية كانت سائدة فيها، فأين الضرب بالأيدي والعصي، والتهديد والوعيد، وحرق الدور، وغصب الأموال، و... وبالجملة قمع المخالفين بالقهر والعنف والإذلال؟! ومع ذلك كلّه، كم إنسان شارك في عملية الانتخاب؟ وما نسبتهم إلى المجتمع الإسلامي؟ أم ما هي سمتهم التمثيلية لأبنائه.

الثانية: كيف يسوغ التفوّه بمقولة الديمقراطية في مجتمع عشائري قبلي، الرؤوس فيه عديدة، والآراء فيه فريدة، وإنّ هو إلاّ رأي صاحب العشيرة ما بعده من رأي، هذا. والديمقراطية تفترض الحرية في الرأي، والانفتاح في التعبير، فلكلّ فرد من أبناء المجتمع رأيه المستقل، ونظره الخاص، يدلي بصوته


1 - راجع إلى ص 61.


(466)

لمن شاء وأحب. وفرض مثل هذا في مجتمع قبلي وعشائري. هرطقة فاضحة.

الثالثة: يقول علماء الاجتماع إنّ الديمقراطية إنّما تُفْترضُ في المجتمع المترقي فكرياً وثقافياً، وذلك لأنّ العمليات الانتخابية الّتي يُفترض إجراؤها تحت مظلّة الديمقراطية، تستلزم وعياً ونظراً وإدراكاً للمصالح والمفاسد، وتقويماً للطرق السليمة الّتي تفيد المجتمع في ارتقائه وتكامله، وتجربةً في الحياة السياسية. وهذا كلّه يستدعي أرضية ثقافية وفكرية نشيطة لدى أبناء الشعب، وفي غير تلك الصورة، يكون فرض الديمقراطية، لا ديمقراطية.

فإذا قست هذا الأصل الّذي ذكرناه، إلى وضع أفراد المجتمع الإسلامي حال وفاة الرسول الأعظم صلوات الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، تدرك ما قيمة فرض مبدأ «الديموقراطية» في الانتخاب، آنذاك.

* * *