يکشنبه 31 ارديبهشت 1391 - الأحد 30 جمادى الثّانيه 1433 - Sun 20 May 2012
 
  • صفحه اصلي سايت
  • نسخه آر اس اس
  • ارتباط با ما
  • سايت عربي
  • آدرس دفاتر
 
 
 
:: الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 4 ::



(86)

الأمر الثاني: سند الحديث وتواتره

إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة من عصر الرسول الأكرم إلى يومنا هذا، يقف عليه من سبر كتب الحديث والتاريخ والسّير والكلام التفسير و غيرها. وما ربما يصدر من كلمات حول الحديث من أنّه من أحاديث الآحاد، فهو كلام صدر من المغرضين ورماة القول على عواهنه، من غير تدبّرتثبت.

إنّ كتب الإمامية في الحديث وغيره، مفعمة بإثبات قصة الغدير والإحتجاج بمؤداها. فمن مسانيد معنعنة إلى مُنْبَثَقِ أنوار النبوة، إلى مراسيل أرسلها المؤلفون إرسال المسلَّم، وحذفوا أسانيدها لتسالم الفريقين.

و أمّا المحدثون وغيرهم من أهل السنّة فلا يتأخرون عن الإمامية في نقل الحديث والبخوع لصحته، والركون إليه، والتصحيح له، والإذعان بتواتره إلا شُذّاذ تنكبوا عن الطريقة، وقد ألّف غيرواحد من علماء الإسلام كتباً مستقلة، فلم يقنعهم إخراجه بأسانيد مبثوثة في الكتب، فدوّنوا ما انتهى إليهم من أسانيده، وضبطوا ما صحّ لديهم من طرقه، كل ذلك حرصاً على كلاء متنه من الدثور، وعن تطرق يد التحريف إليه، منهم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ والتفسير المعروفين (ت 224 ـ م 310 هـ)، وأبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المعروف بابن عقدة (م 333 هـ)،أبو بكر محمد بن عمر محمد بن سالم التميمي البغدادي(م 355 هـ) وغيرهم (1).

و لأجل إيقاف القارئ على اهتمام الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، والعلماء، والأدباء، والفقهاء، بنقل الحديث وضبط أسانيده، نذكر عدد رواته في كل قرن على وجه الإجمال ونحيل التفصيل إلى الكتب المعدّة لذلك .

1ـ روى الحديث من الصحابة 110 صحابياً، وطَبْع الحال يستدعي أن يكون رواته أضعاف المذكورين، لأنّ السامعين الوعاة له كانوا مائة ألف، أو يزيدون.


1 - ذكر شيخنا الحجة العلامة الأميني، أسماء المؤلفين وخصوصيات كتبهم، في الجزء الأول، من غديره، ص 152 ـ 157.


(87)

2 ـ رواه من التابعين 84 تابعياً.

و أما عدّة الرواة من العلماء والمحدثين فنذكرها على ترتيب القرون.

3ـ عدد من رواه في القرن الثاني:    56 عالماً ومحدّثاً.

4ـ عدد من رواه في القرن الثالث:    92 عالماً ومحدّثاً .

5ـ عدد من رواه في القرن الرابع:    43 عالماً ومحدّثاً.

6ـ عدد من رواه في القرن الخامس:    24 عالماً ومحدّثا.

7ـ عدد من رواه في القرن السادس:    20 عالماً ومحدّثاً.

8ـ عدد من رواه في القرن السابع:    20 عالماً ومحدّثاً.

9ـ عدد من رواه في القرن الثامن:    19 عالماً ومحدّثاً.

10ـ عدد من رواه في القرن التاسع:    16 عالماً ومحدّثاً.

11ـ عدد من رواه في القرن العاشر:    14 عالماً ومحدّثاً.

12ـ عدد من رواه في القرن الحادي عشر:   12 عالماً ومحدّثاً.

13ـ عدد من رواه في القرن الثاني عشر:   13 عالماً ومحدثاً.

14ـ عدد من رواه في القرن الثالث عشر:    12 عالماً ومحدّثاً.

15ـ عدد من رواه في القرن الرابع عشر:    19 عالماً ومحدّثاً.

و قد أغنانا المؤلفون في الغدير عن إراءة مصادره ومراجعه، وكفاك في ذلك كتب لمّة كبيرة من أعلام الطائفة:

منهم العلاّمة السيد هاشم البحراني (م 1107) مؤلف عاية المرام.

و منهم السير مير حامد حسين الهندي اللكهنوئي (م 1306)، ذكر حديث الغدير، وطرقه، وتواتره، ومفاده في مجلدين ضخمين في ألف وثمان مائة صحيفة وهما من مجلدات كتابه الكبير «العبقات»، فقد أتمّ الله به الحجة، وأوضح المحجة، وكتابه العبقات كتاب جليل، فاح أريجه بين لابتي العالم، و طبق حديثه المشرق والمغرب.

و منهم العلامة المتتبع المحقق الفذّ الشيخ عبد الحسين النجفي (ت 1320 (م 1390) في كتابه الفريد «الغدير»، وبعين الله، إنّ كتابه هذا هو المعجز


(88)

المبين، ومن حسنات الدهر الخالدة، جزاه الله خيرا الجزاء (1).

* * *

الأمر الثالث ـ دلالة الحديث

إنّ دلالة الحديث على إمامة مولانا أمير المؤمنين، دلالة واضحة لم يشك فيها أي عربي صميم، عصر نزول الحديث وبعده إلى قرون، ولم يفهموا من لفظة المولى سوى معنى الإمامة، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء إلى أن ولّد الدهر إمام المشككين، فجاء بتشكيكات، كسائر تشكيكاته، التي تاب منها عند احتضاره (2).

و الدلالة مركزة على أن لفظ المولى نصّ فيما نثبته من الإمامة بالوضع اللغوي، أو بالقرائن المحتفة به. وعلى كلا التقديرين، يكون الحديث حجةً قاطعةً في الإمامة، ونحن نسلك كلا الطريقين.

الطريق الأول ـ الدلالة بالوضع اللغوي

إنّ «مفعل» ـ هنا ـ بمعنى «أفعل»، ولفظ «مولى» أريد منه هنا الأولى، سواء أقلنا إنّه المعنى الوحيد ـ كما سيوافيك ـ أو أحد معانيه، كما في قوله سبحانه: (فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(3).

و المفسّرون للآية على فريقين منهم من حصر التفسير بأنّها أولى بكم، ومنهم


1 - ومن أراد التبسط فعليه الرجوع إلى ما ذكرنا من المصادر، وإلى كتاب «المراجعات» لمصلح الدين، السيد شرف الدين العاملي ـ رحمه الله ـ.
2 - لاحظ دائرة المعارف، لفريد وجدي، ج 4، ص 149، وفيها أنّه قال: «و أمّا ما استكثرت من إيراد السؤالات، فإنّي ما أردت إلاّ تكثيرالبحث وتشحيذ الخاطر، والإعتماد في الكلّ على الله تعالى».
3 - سورة الحديد: الآية 15.


(89)

من جعله أحد المعاني، وهؤلاء أئمة العربية، عرفوا أنّ هذا المعنى من معاني اللفظ اللغوية، ولولاه لما صحّ لهم تفسيره به، يقول الخازن: «هي مولاكم، أي وليّكم، وقيل أولى بكم، لما أسلفتم من الذنوب، والمعنى: هي التي تلي عليكم، لأنّها ملكت أمركم وأسلمتم إليها، فهي أولى بكم من كل شيء» (1). وقد نقل كون المولى بمعنى الأول، الرازي في تفسيره عن الكلبي النّسابة (م 146) والفرّاء (م 207) (2) وأبو عبيدة معمّر بن المثنى البصري (م 210)، والأخفش الأوسط (م 218) (3)و نهاية العقول (4).

و استشهد أبو عبيدة ببيت لبيد:

فقدت كلا الفَرْجَيْن تَحْسَبُ أنّه * مولى المخافة خلفها وأمامها

حتى أنّ البخاري، صاحب الصحيح، في قسم التفسير منه، فسّره بـ «أولى» (5).

نعم هنا شبهة ذكرها الرازي في تفسيره، حسب أنّها تصادم دلالة الحديث على الولاية الكبرى للإمام عليٍّ ـ عليه السَّلام ـ ، فقال في تفسير قوله سبحانه: (هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )، «لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة، لصحّ استعمال كلّ واحد منهما في مكان الآخر، فيجب أن يقال: هذا مولى من فلان، ولمّا بطل ذلك، عَلِمنا أنّ الذي قالوه معنىً، وليس بتفسير».

و قال في نهاية العقول: «لو كان المولى يجيء بمعنى الأولى، لصحّ أن يقرن بأحدهما، كلّما يصحُّ قَرْنُه بالآخر، لكنه ليس كذلك، فامْتَنَع كون المولى بمعنى الأولى، مع أنّه لا يقال: هو مولى من فلان، ولا يصحّ أن يقال: «هو أولى» بدون من»


1 - تفسير الخازن، نقلاً عن الغدير، ج 1، ص 341.
2 - معاني القرآن، للفراء، ج 3 ص 134.
3 - لاحظ جميع ذلك في تفسير الرازي، ج 8، ص 93.
4 - نهاية العقول، للرازي، أيضاً.
5 - صحيح البخاري، ج 7، ص 240.


(90)

يلاحظ عليه: قد فات الرازي أنّ اتّحاد المعنى أو الترادف بين الألفاظ، إنّما يقع في جوهريات المعاني لا عوارضها الحادثة من أنحاء التركيب،تصاريف الألفاظ، وصيغها. مثلاً: الإختلاف الحاصل بين المولى والأولى، بلزوم مصاحبة الثاني بالباء (أولى به)، وتجرّد الأول منه، إنّما حصل من ناحية صيغة إفعل من هذه المادة، كما أنّ مصاحبة «من»، هي مقتضى تلك الصيغة مطلقاً، إذن مفاد «فلان أولى بفلان»، و«فلان مولى فلان»، واحد، حيث يراد به «الأولى به من غيره»، ويشهد لذلك أنّ «افعل» بنفسه، يستعمل مضافاً إلى المثنّى والجمع، أو ضميرهما بغير أداة، فيقال: زيد أفضل الرجلين، أو أفضلهما، وأفضل القوم وأفضلهم، ولا يستعمل كذلك إذا كان ما بعده مفرداً، فلا يقال: زيد أفضل عمرو، وإنّما يقال هو أفضل منه، ولا يرتاب عاقل في اتّحاد المعنى في الجميع.

قال الأزهري في باب التفضيل: «إنّ صحة وقوع المرادف موقع مرادفه، إنّما يكون إذا لم يمنع من ذلك مانع، وها هنا منع مامنع، وهو الإستعمال، فإنّ إسم التفضيل، لا يصاحب من حروف الجر إلاّ «من» خاصة، وقد تحذف مع مجرورها للعلم بها نحو: (وَ الآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)(1)(2)

ثمّ إنّ الرازي اختار أنّ المولى في الحديث بمعنى «الناصر»، مع أنّ ما أورده على القول بأنّه بمعنى «الأولى»، وارد عليه، فلايقال في اللغة العربية، «هو مولى دين الله»، مكان «ناصر»، ولا يصحّ تبديل قوله: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ)(3). إلى «من مواليّ الله»، أو تبديل الحواريين: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)(4)إلى «نحن موالي الله».

هذه الحالة مطّردة في كثير من المترادفات التي جمعها الرّماني (م 384) في تأليف مفرد، مع أنّ اختلاف الكيفية حاكم عليها أيضاً، مثلاً يقال: عندي


1 - سورة الأعلى: الآية 17.
2 - التصريح، لخالد بن عبد الله الأزهري، باب أفعل التفضيل.
3 - سورة آل عمران: الآية 52.
4 - الآية السابقة نفسها.


(91)

درهم غير جيد، ولا يصحّ أن يقال: عندي درهم إلاّ جيد، كما هو السائد في كلمة «هل» و «همزة الإستفهام»، فإنّهما بمعنى واحد، ولكن يفترقان بفروق ثلاثة، أو خمسة، أو ستة.

و لما كان الإشكال ضئيلاً، قال النيسابوري، في تفسيره ـ بعد نقل كلام الرازي، إلى قوله: وحينئذ يسقط الإستدلال به ـ: «قلت: وفي هذا الإسقاط بَحْثٌ لا يخفى» (1).

و لما وقف التفتازاني على تمامية دلالة الحديث على الإمامة، حاول رمي الحديث بعدم التواتر، قال ـ في دلالة الحديث ـ: «المولى» قد يراد به المعتق، والمعتق، والحليف، والجار، وابن العم، والناصر، والأولى بالتصرف، قال الله تعالى: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ)، أي أولى بكم، ذكره أبوعبيدة،قال النبي: «أيما إمرأة أنكحت نفسها بغير إذن مولاها»، أي الأولى بها، والمالك لتدبير أمرها، ومثله في الشعر كثير. وبالجملة استعمال المولى بمعنى المتولي، والمالك للأمر، والأولى بالتصرف، شائع في كلام العرب، منقول عن كثير من أئمة اللغة، والمراد أنّه اسم لهذا المعنى، لا صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأنّه ليس من صيغة اسم التفضيل، وأنّه لا يستعمل استعماله، وينبغي أن يكون المراد به في الحديث هو هذا المعنى، ليطابق صدر الحديث، ولأنّه لا وجه للخمسة الأول، وهو ظاهر، ولا للسادس لظهوره، وعدم احتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله». إلى أن قال: «و لا خفاء في أنّ الولاية بالناس، والتولّي، والمالكية لتدبير أمرهم، والتصرّف فيهم، بمنزلة النبي، وهو معنى الإمامة» (2).

هذا من غير فرق بين تفسير مَفّعَلْ بأَفْعَل، أي المولى بمعنى أَوْلى، أو تفسيره بفَعيل، أي الولي، وقد نصّ على ذلك أئمة العربية منهم الفراء في تفسيره، وأبو العباس المُبَرّد، قالا: «الولي والمولى، بمعنى في لغة العرب واحد»(3).


1 - تفسير النيسابوري، تفسير سورة الحديد.
2 - شرح المقاصد، ج 2، ص 290.
3 - لاحظ معاني القرآن للفراء، ج 3، ص 124، والغدير ج 1، ص361.


(92)

قال في الصحاح: والولي كل من ولي أمر واحد، فهو وليّه، وقول الشاعر:

هُمُ المَوْلى وإن جَنَفوا علينا * و إنّا من لقائهم لزورُ (1)

و قال في النهاية: «و كُلّ من ولي أمراً أو قام به فهو مولاه ووليه» (2).

و قال الفيروز آبادي، في قاموسه: «المَوْلى: المالِك، والعبد، والمعتق، والولي، والربّ» (3).

ليس للمولى إلاّ معنى واحد

إنّ السابر في كتب اللغة يرى أنّهم يذكرون في تفسير «المولى» أموراً، يبدو أنّها معان مختلفة له، مثلاً يقول صاحب القاموس: «المولى: المالك،العبد، والمعتق، والمعتَق، والصاحب، والقريب كابن العم ونحوه، والجار، والحليف، والإبن، والعمّ، والنّزيل، والشّريك، وابن الأُخت، والوَليّ،الربّ، والناصر، والمُنْعِم، والمنعَم عليه، والمحبّ، والتابع، والصِّهر» (4).

و الحق أنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأولى بالشيء، وتختلف هذه الأولوية بحسب الإستعمال في كل مورد من موارده، والإشتراك معنوي، وهو الأولى من الإشتراك اللفظي المستدعي لألفاظ كثيرة غير معلومة بنصّ ثابت والمنفية بالأصل المحكّم، وهذه النظرية أبدعها ابن البطريق الحلّي (ت 533 ـ


1 - الصحاح، ج 6، مادة «ولى»، ص 2529.
2 - النهاية لإبن الأثير، ج 5، ص 228.
3 - القاموس المحيط، مادة «ولى»، ج 4، ص 401.
4 - تاج العروس، ج 10، ص 399.


(93)

م 600) (1).

و هذا المعنى الواحد، وهو الأولى بالشيء جامع لهاتيك المعاني جمعاء، ومأخوذ في كلّ منها بنوع من العناية، ولم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلاّ بمناسبة لهذا المعنى:

1ـ فالمالك أولى بكلاءة مماليكه، وأمرهم، والتصرف فيهم.

2ـ والعبد أولى بالإنقياد لمولاه من غيره.

3ـ والمعتق (بالكسر) أولى بالتفضيل على من أعتقه من غيره.

4ـ والمعتق (بالفتح) أولى بأن يعرف جميل من أعتقه عليه ويشكره.

5ـ والصاحب، أولى بأن يؤدّي حقوق الصحبة من غيره.

6ـ والقريب، هو أولى بأمر القريبين منه، والدفاع عنهم، والسعي وراء صالحهم.

7ـ والجار، أولى بالقيام بحفظ حقوق الجوار كلّها من البعداء.

8ـ والحليف، أولى بالنهوض بحفظ مَنْ حالفه، ودفع عادية الجور عنه.

9ـ والإبن أولى الناس بالطاعة لأبيه والخضوع له.

10ـ والعم ّ، أولى بكلاءة إبن أخيه، والحنان عليه، وهو القائم مقام والده.

11ـ والنّزيل، أولى بتقدير من آوى إليهم ولجأ إلى ساحتهم، وأمن في جوارهم.

12ـ والشريك أولى برعاية حقوق الشركة وحفظ صاحبه عن الأضرار.

13ـ وابن الأُخت، أولى الناس بالخضوع لخاله الذي هو شقيق أُمه.

14ـ والولي، أولى بأن يراعي مصالح المُوَلّى عليه.

15ـ والناصر، أولى بالدفاع عمّن التزم بنصرته.

16ـ والربّ، أولى بخلقه من أي قاهر عليهم.


1 - عُمّدة عيون صحاح الأخبار، لابن البطريق، ص 114 ـ 115.


(94)

17ـ والمنعم (بالكسر) أولى بالفضل على من أنعم عليه، وأن يتبع الحسنة بالحسنة.

18ـ والمنعم عليه، أولى بشكر منعمه من غيره.

19ـ والمحب، أولى بالدفاع عمّن أحبّه.

20ـ والتابع، أولى بمناصرة متبوعه ممّن لا يتبعه.

21ـ والصهر، أولى بأن يرعى حقوق من صاهره، فشدّ بهم أزره، وقوي أمره.

إلى غير ذلك من المعاني التي هي أشبه بموارد الإستعمال. والأولوية مأخوذة فيها بنوع من العناية.

إلى هنا قد ظهر أنّ المولى في الحديث الشريف بمعنى الأولى، أو بمعنى الولي، وأنّ ما ذكر للمولى من المعاني المختلفة، فليس من قبيل المعاني المختلفة، حتى يحتاج تفسير المولى بالأولى إلى قرينة معيّنة، بل من قبيل المصاديق.

هذا كلّه في الطريق الأول.

الطريق الثاني ـ الدلالة بالقرائن

إنّ القرائن الحافة بالحديث تدلّ على أنّ المراد من المولى هو الأولى أو الولي، وهي على قسمين: قرائن حالية وقرائن مقالية:

و المراد من الأولى، ما احتف به الكلام الصادر من النبي الأكرم، من ظروف زمانية ومكانية. والمراد من الثانية ما يتصل بالكلام نفسه من الجمل العبارات.

أمّا القرائن الحالية، فبيانها بكلمة جامعة أنا لو فرضنا أنّ لفظ المولى مشترك بين المعاني التي تلوناها عليك، إلاّ أنَّه لا يمكن إرادة غيره في المقام، إمّا لاستلزامه الكفر، كما إذا أريد منه الرب.

أؤ الكذب، كما إذا أُريد منه العم، والإبن، وابن الأُخت، والمعتِق،


(95)

و المعتق، والعبد، والمالك، والتابع، والمُنْعَم عليه، والشَريك، والحليف، وهو واضح لمن تدبر فيه.

و أمّا الصاحب، والجار، والنزيل، والصّهر، والقريب، فلا يمكن إرادة شيء من هذه المعاني، لسخافته، لا سيما في هذا المحتشد الرهيب، وفي أثناء المسير، ورمضاء الهجير، وقد أمر ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحبس المتقدم في السير، ومنع التالي منه، في محلّ ليس صالحاً للنزول، غير أنّ الوحي الإلهي، حبسه هناك، فيكون ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد عقد هذا المحتفل، والناس قد أنهكتهم وعثاء السفر، وحرّ الهجير، وحراجة الموقف، حتى أنّ أحدهم ليضع طرفاً من ردائه تحت قدميه، وطرفاً فوق رأسه، فيرقى هنالك منبر الأهداج، ويُعْلِمُهم عن الله تعالى بأنّه من كان هو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مصاحباً أو جاراً أو نزيلاً عنده، أو صحراً أو قريباً له، فعليّ كذلك!!.

و أمّا المنعم، فلا ملازمة بين أن يكون كلّ من أنعم عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فعليّ منعم عليه.

و أمّا الناصر والمحب، فسواء كان كلامه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، إخباراً أو إنشاء، فاحتمالان ساقطان، إذ ليسا بأمر مجهول عندهم، لم يسبقه التبليغ حتى يأمر به في تلك الساعة، ويحبس له الجماهير، ويعقد له ذلك المنتدى الرهيب، في موقف حرج، لا قرار فيه.

فلم يبق من المعاني إلاّ الولي، والأولى به، والمراد منه المتصرف في الأمر ومتوليه. ذكر الرازي في تفسير قوله تعالى: (وَ اعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ)(1)، قال: قال القفال: «هو مولاكم، سيّدكم والمتصرّف فيكم» (2).

فتعين أنّ المراد بالمولى: المتصرّف، الذي قيّضه الله سبحانه لان يُتَّبع، ويكون إماماً، فيهدي البشر إلى سنن النجاة فهو أولى من غيره بأنحاء التصرف


1 - سورة الحج: الآية 78.
2 - تفسر الرازي، ج 6، ص 21.


(96)

في المجتمع الإنساني، فليس هو إلا نبي مبعوث أو إمام مفترض الطاعة منصوص به من قبله تعالى، بأمر إلهي، لا يبارحه في أقواله وأفعاله: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)(1).

و أمّا القرائن المقالية: فمتعددة تثبت أيضاً أنّ المولى بمعنى الأولى بالشيء أو بمعنى الولي، إذا تنازلنا إلى أنّه أحد معانيه، وأنَّه من المشترك اللفظي، وأمّا على القول بأنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد، كما أوضحناه، فلا حاجة لذكر القرائن إلاّ تأكيداً.

القرينة الأولى: صدر الحديث، وهو قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ألست أَوْلى بِكُمِ من أَنفسكم»، أو ما يؤدّي مؤدّاه من ألفاظ متقاربة ثم فرّع على ذلك قوله: «فَمَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَعَليٌّ مولاه». وقد روى هذا الصدر من حفاظ أهل السنّة، ما يربو على أربع وستين عالماً (2).

فإنّ هذا الصدر يعيّن أنّ المراد من المولى هو الأولى، ولا وجه للتفكيك المخل.

القرينة الثانية: ذيل الحديث، وهو قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، وفي جملة من طرق الحديث قوله: وانصر من نصره،اخذل من خذله، أو ما يؤدّي مؤدّاه، فلو أريد منه غير الأولى بالتصرف، فما معنى هذا التطويل، فإنّه لا يلتئم ذكر هذا الدعاء إلاّ بتنصيب علي مقاماً شامخاً، يؤهله لهذا الدعاء.

القرينة الثالثة: أخذ الشهادة من الناس، حيث قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ حجته حقّ الخ». فإنّ وقوع قوله: «من كنت مولاه»، في سياق الشهادة بالتوحيد والرسالة، يحقق كون المراد، الإمامة، الملازمة للأولوية على الناس.


1 - سورة النجم: الآيتان 3و 4.
2 - لاحظ نقولهم، في كتاب الغدير، ج 1، موزعين حسب قرونهم.


(97)

القرينة الرابعة: التكبير على إكمال الدين، حيث لم يتفرقوا بعد كلامه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، حتى نزل أمين وحي الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(الآية)، فقال رسول الله: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي»، فأي معنى يكمل به الدين، وتتم به النعم، ويرضى به الربّ في عداد الرسالة، غير الإمامة التي بها تمام الرسالة، وكمال نشرها وتوطيد دعائمها.

القرينة الخامسة: نعيُ النبي وفاته إلى الناس، حيث قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «كأنّي دُعيت فأجبت». وفي نقل: «إنّه يوشك أن أدعى»، أو ما يقرر ذلك، وهذا يعطي أنّ النبي قد بقيت من تبلغيه مهمة، يحذر أن يدرِكَهُ الأجلُ قبل الإشادة بها، وهي تعرب عن كون ما أشار به في هذا المحتشد، تبليغ أمر مهم، يخاف فوته، وليس هو إلاّ الإمامة.

أضف إليه أنَّه يعرب بذلك عن أنَّه سوف يرحل من بين أظهرهم، فيحصل بعده فراغ هائل، وأنّه يُسَدُّ بتنصيب عليٍّ في المقام الولاية.

القرينة السادسة: التهنئة، جاء في ذيل الحديث، وأخرجه الطبري في كتاب «الولاية» عن زيد بن أرقم، أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، قال: «معاشر الناس، قولوا: أعطيناك على ذلك عهداً عن أنفسنا، وميثاقاً بألسنتنا، وصفقة بأيدينا، نؤدّيه إلى أولادنا وأهالينا، لا نبغي بذلك بدلاً، وأنت شهيد علينا، وكفى بالله شهيداً قولوا ما قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فإنّ الله يعلم كلّ صوت،خائنة كل نفس، فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، (وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً) قولوا ما يرضي الله عنكم، فإن تكفروا، فإنّ الله غنيّ عنكم».

القرينة السابعة: الأمر بإبلاغ الغائبين: وقد أمر ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في آخر خطبته بأن يبلّغ الشاهد الغائب، فما معنى هذا التأكيد، إذا لم يكن هناك مهمة لم تتح الفرص لتبليغها على نطاق واسع، ولا عرفته جماهير المسلمين، وما هي إلاّ الإمامة.


(98)

و غير ذلك من القرائن التي استقصاها شيخنا المتتبع في غديره (1).

حديث الغدير ورجلات الأدب

شاء المولى سبحانه أن يبقى حديث الغدير على مرّ العصور والأيام، حجةً على المسلمين في التعرّف على مستقرّ الولاية الكبرى بعد النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقيّض المولى سبحانه، رجالات الأدب، وأساتذة الشعر، فنظموا تلك المأثرة النبوية الخالدة، وصبّوها في قوالب أشعارهم، وقرائضهم، فترى أنّهم ـ وهم أساتذة اللغة وبواقع الأدب ـ يعبّرون عنه بكلمات صريحة في الإمامة، أو الخلافة. وقبل كل شاهد نذكر بيت الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ حيث قال:

و أوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يومَ غدير خمّ

ثم بعده حسان بن ثابت، الصحابي العظيم، يقول:

و عَليّ إمُامنا وإمامٌ * لسوانا أتى به التنزيل

يوم قال النبيُّ من كنتُ مولاه * فهذا مولاهُ خطب جليل

ومنهم داهية العرب، في قصيدته المعروفة بـ «الجلجلية»، يقول فيها معترضاً على معاوية:

وكم قد سمعنا من المصطفى * و صايا مخصصة في علي

و في يوم خمّ رقى منبراً * و بلّغ والصحب لم ترحل

فامنحه إمرة المؤمنين * من الله مستخلف المنحل

و غيرهم من الشعراء الذين يحتجّ بقولهم في الأدب واللغة، ككميت بن زيد الأسدي المتوفى عام 126 هـ ، والعبدي الكوفي من شعراء القرن الثاني، وشيخ


1 - لاحظ الغدير، ج 1، ص 370 ـ 383.


(99)

العربية أبي تمّام، وغيرهم ممّن يطول بذكرهم المقام (1).

إلى هنا تمّ الكلام حول الحديث متناً وسنداً، وهو يعرب عن حقيقة ناصعة من أجلى الحقائق الدينية، وهي ثبوت الولاية لعلي بعد النبي، ولا يرتاب فيها إلاّ مغرض لايرتاد الحقيقة، أو غافل عن مصادر الحديث (2).

ثم إنّ ها هنا سؤالين مهمّين، ربما يدفع البعض بهما حديث الغدير ودلالته، لا بدّ من ذكرهما، والإجابة عنهما:

* * *

السؤال الأول: لماذا أعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير؟

إنّ هاهنا اعتراضاً على تنصيب عليّ في مقام الولاية والخلافة، بأنّه لو كان الأمر كذلك، فلماذا يأخذه الصحابة مقياساً بعد النبي. وليس من الصحيح إجماع الصحابة، وجمهور الأمّة على ردّ ما بلّغه النبي في ذلك المحتشد العظيم.

و الجواب:

إنّ ذلك أقوى مستمسك لمن يريد التخلص من الإعتناق بالنصّ المتواتر الجلي في المقام، ولكنه لو رجع إلى تاريخ الصحابة، يرى لهذه الأمور نظائر كثيرة في حياتهم السياسية، وليكن ترك العمل بحديث الغدير من هذا القبيل. وفيما يلي نذكر نماذج من هذا الإجتهاد المرفوض قبال النصّ.

1ـ رزية يوم الخميس

كلّ من ألمّ بالحديث والتاريخ، يعرف حديث «رزية يوم الخميس»،


1 - من أراد الوقوف على أشعارهم، فليرجع إلى الغدير بأجزائه.
2 - لقد استندنا في هذا البحث الضافي إلى كتاب الغدير، فنقدر جهود شيخنا العلامة الأميني، المغفور له.


(100)

الذي رواه الشيخان وغيرهما، أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: لما حُضر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي: «هلمّ أكتب لكم كتاب لا تضلّوا بعده أبداً»، فقال عمر: «إنّ النبي قدغلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله». فاختلف أهل البيت، فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا، يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم يقول ما قال عمر. لما أكثروا اللغو والإختلاف عند النبي، قال لهم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : قوموا.

قال عبد الله بن مسعود: فكان ابن عباس يقول: «إنّ الرزية كلّ الرزية ماحال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم» (1).

2ـ سرية أسامة

قد اهتمّ النبي ببعث سرية أُسامة بن زيد اهتماماً عظيماً، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها، وحثّهم عليها، ثم عبّأهم بنفسه الزكية، إرهافاً لعزائمهم،استنهاضاً لهممهم، فلم يُبْق أحداً من وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر، وعُمَر، وأبي عبيدة، وسعد، وأمثالهم، إلاّ وقد عبّاه بالجيش، وكان ذلك لأربع ليال بقين من صفر، سنة إحدى عشرة للهجرة، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين، ووجدهم مُثّاقلين، خرج إليهم فحضّهم على السير، وعقد اللواء لأسامة بيده الشريفة، إرهافاً لعزيمتهم ثم قال: «أغز باسم الله، وفي سبيل


1 - أخرجه البخاري، في غير مورد، لاحظ ج 1، باب كتابة العلم، الحديث 3; و ج 4، ص 70; و ج 6، ص 10; من النسخة المطبوعة سنة1314. والإمام أحمد في مسنده ج 1، ص 355، وفيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم نظرت إلى دموعه على خدّيه تحدر كأنّها نظام اللؤلؤ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، إئتوني باللوح والدواة، أو الكتف، أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً. فقالوا: «رسول الله يَهْجُر»!!.


(101)

الله». فخرج بلوائه معقوداً، فدفعه إلى بريدة، وعسكر بالجزف.

ثم تثاقلوا هناك، فلم يبرحوا، مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب إسراعهم كقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «جهّزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عنه»، فقال قوم: «يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة»، وقال قوم: «قد اشتدّ مرض النبي، فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره»(1).

وقد أغضب النبيَّ تثاقُلُهم، حتّى قال: «جَهِّزوا جيش أُسامة، لَعَنَ الله من تخلّف عنه»، فقال قوم: «يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة»، وقال قوم: «قد اشتدّ مرض النبي، فلا تسع قلوبنا مفارقته، وحالة هذه، فنصبر حتّى نبصر أي شيء يكون من أمره» (2).

ثم إنّ مَنْ ذَكَرَ تخلُّفَ القومِ عن أسامة، حاول تعليل تخلّف الصحابة، فقال بأنّ الغرض منه إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين نائرة الفتنة والمؤثرة عند تقلّب القلوب (3).

فإذا صحّ هذا العذر، فليصحّ في حديث الغدير، فإنّ القوم ـ أكثرهم لا جميعهم ـ ثقل عليهم إمامة علي بن أبي طالب الذي قتل من أبناء القوم إخوانهم يوم بدر وحنين وغيرهما، ما قتل، فرجّحوا مخالفة الحديث حفظاً للوحدة، أو لغير ذلك من هذه المبررات ـ عند القوم ـ للإجتهاد تجاه النصّ.

كما أنّهم في نفس القضية، طعنوا في إمارة أسامة، طعناً عظيماً، وأقلّ ما قالوه، إنّ النبيّ قد أمّر شاباً غير مجرّب على شيوخ القوم وأكابرهم!!.

3ـ صُلح الحُديبيّة واعتراض القوم

إنّ النبي الأكرم صالح قريشاً في الحديبيّة لمصالح عالية، كشف المستقبل عنها بوضوح. ولما تمّ كتاب الصلح، اعترض عليه لفيف من الصحابة، حتى تصوّروا أنّه من باب إعطاء الدنيّة في طريق الدين.


1 - الملل والنحل، للهشرستاني، ج 1، ص 23.
2 - الملل والنحل، للشهرستاني، ج 1، ص 23 .
3 - المصدر سابق نفسه.


(102)

روى مسلم في باب صلح الحديبيّة أنّ عمر قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أو لسنا على الحق، وهم على الباطل؟ قال: «بلى». قال: «ففيهم نعطي الدّنية في ديننا، ونرجع وَلمّا يحكم الله بيننا وبينهم»؟. فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يا ابن الخطاب، إنّي رسولُ الله ، ولن يضيّعني أبداً» (1).

فانطلق عُمَر، ولم يصبر متغيظاً، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حقّ وهم على باطل، قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار. قال: بلى. قال: فعلى مَ نعطي الدنيّة في ديننا، ونرجع ولّما يحكم الله بيننا وبينهم. فقال: يا ابن الخطاب، إنّه رسول الله، ولن يُضَيِّعه الله أبداً.

فلما فرغ رسول الله من الكتاب قال لأصحابه،: قوموا فانحروا، ثم احلقوا. قال الرواي: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، دخل خباءه، ثم خرج فلم يكلم أحداً منهم بشيء، حتى نحر بدنه بيده، ودعا حالقه، فحلق رأسه. فلما رأى أصحابه ذلك قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعض (2).

ولسنا بصدد استقصاء مخالفات القوم لنصوص النبي وتعليماته، فإنّ المخالفة لا تقتصر عليما ذكرنا بل تربوا على نيف وسبعين مورداً، استقصاها بعض الأعلام (3).

وعلى ضوء ذلك، لا يكون ترك العمل بحديث الغدير، من أكثرية الصحابة دليلاً على عدم تواتره، أو عدم تمامية دلالته.

و المشكلة كلّها في هذا الباب، هي التعرّف على حكم الصحابة من حيث


1 - صحيح مسلم، باب صلح الحديبية، ج5، ص 175، والطبقات الكبرى لابن سعد، ج 2، ص 114 حيث استغفر للمحلقين ورأى بعضهم غير محلق.
2 - صحيح البخاري، ج 2، كتاب الشروط، ص 81.
3 - لاحظ كتاب النصّ والإجتهاد، للسيد الإمام شرف الدين، وهو كتاب ممتع مليء بالأحداث الّتي قُدّم فيها الإجتهاد الخاطيء ـ لا الصحيح فإنّه تبع النص ـ على النصّ النبوي الجليّ.


(103)

العدالة، فإنّ القوم ألبسوا مجموع الصحابة لباس العصمة، وحلّوهم أجمعين بحلية التقوى والعفاف، على وجه لا يكادون يخالفون الكتاب والسنّة قيد شعرة، فالصحابة بمجموعهم معصومون لا يخطئون. فمن كانت هذه عقيدته، فيشكل عليه القول بأن القوم خالفوا تنصيص النبي وتنصيبه لعلي ـ عليه السَّلام ـ .

و لكنها عقيدة تضاد كتاب الله وسنته، والتاريخ. فمن درس حياة الصحابة في ضوء الكتاب والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، يقف على أنّ فيهم صالحاً وطالحاً، كسائر أفراد المجتمعات البشرية، وليس السلف خيراً من الخلف، بل السلف والخلف على وتيرة واحدة، (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ)(1).

* * *

السؤال الثاني: ما فائدة البحث عن إمامة عليّ في هذه الأزمان؟

وها هنا سؤال آخر يطرحه لفيف من دعاة الوحدة، الذين لهم رغبة خاصة بتوحيد صفوف المسلمين وتقريب الخطى بينهم، وحاصله:

إنّ البحث عن صيغة الخلافة بعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، يرجع لبّه إلى أمر تاريخي قد مضى زمنه وهو أنّ الخليفة بعد النبي هل هو الإمام أمير المؤمنين أو أبوبكر. وماذا يفيد المؤمنين البحث حول هذا الأمر الذي لا يرجع إليهم بشيء في حياتهم المعاصرة. أو ليس من الحريّ ترك هذا البحث حفظاً للوحدة.

والجواب

لاشك أنّ أعظم خلاف وقع بين الأمّة، اختلافهم في الإمامة، وما سلّ


1 - سورة فاطر: الآية 32، وقد أشبع الأستاذ دام حفظه، الكلام في حال الصحابة من حيث البرهان والعاطفة في بحوثه في الملل والنحل، فلاحظ: ج 1، ص 191 ـ 228.


(104)

سيف في الأسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة (1). فمن واجب المسلم الحرّ، الذي لا يتبنّى إلاّ مصلحة المسلمين، السعي وراء الوحدة، ولكن ليس معنى ذلك ترك البحث، وغلق ملف الدراسة، فإنّه إذا كان البحث نزيهاً موضوعياً يكون مؤثّراً في توحيد الصفوف وتقريب الخطى، إذ عندئذً تتعرف كل طائفة على ما لدى الأخرى، من العقائد والأصول، وبالتالي تكون الطائفتان متقاربتين. وهذا بخلاف ما إذا تركنا البحث مخافة الفرقة، فإنّه يثير سوء ظنّ كلّ طائفة بالنسبة إلى الأخرى في مجال العقائد والمعارف، فربما تتصورها طائفة أجنبياً عن الإسلام.

هذا أولاً.

و ثانياً: إنّ لمسألة البحث عن صيغة الإمامة بعد النبي بعدين أحدهما بعد تاريخي مضى عصره، والثاني بعد ديني باق أثره إلى يومنا هذا، ومن واجب كلّ مسلم الأخذ به، وهو أنّه إذا صحّ تنصيب عليّ لمقام الولاية والخلافة، بالمعنى الذي تتبناه الإمامية، يكون الإمام، وراء كونه زعيماً في ذلك العصر، مرجعاً في رفع المشاكل التي خلفتها رحلة النبي، ممّا قد مرّ عليك، فيجب على المسلمين الرجوع إليه في تفسير القرآن وتبيينه، وفي مجال الموضوعات المستجدة التي لم يرد فيها النصّ في الكتاب والسنّة، كما يكون مرجعاً في سائر الأمور.

و في ضوء هذا، فالبعد الذي مضى، ولا نعيد البحث فيه، هو كونه زعيماً في ذلك العصر، وقد مضى زمنه، ولكن الباقي زعامته الدينية، وقيادته في مجال المعارف والمسائل الشرعية، فهو بعد باق، فيجب على كل المسلمين الرجوع إلى الإمام أخذاً بهذا الأبعاد، لحديث الغدير وغيره. فليس البحث متلخصاً في البعد السياسي حتى نشطب عليه بدعوى أنّه مضى ما مضى، بل له كما عرفت مجال ومجالات باقية.

فإذا وصل البحث إلى هنا، يجب علينا التركيز على مسألة أخرى وهي أنّ النبي الأكرم، لم يزل يهيب في الجاهلين، ويصرخ في الغافلين، داعياً إلى التمسّك بالكتاب والعترة معاً، وهذا تصريح بأنّ لقيادة العترة الطاهرة وراء


1 - تقدمت منا هذه الكلمة نقلاً عن الشهرستاني في الملل والنحل.


(105)

الزعامة السياسية المحدودة بوقت خاص، وزمن حياتهم، بعداً خالداً إلى يوم القيامة، وهو لزوم الإنكباب عليهم فيما يطرء علينا من الحوادث الوقائع الدينية، وكل ما يمت إلى الدين عليهم فيما يطرء علينا من الحوادث والوقائع الدينية، وكل ما يمت إلى الدين بصلة، ونتطلب الجواب الإهتداء منهم، ولأجل ذلك يجب علينا التعرّف على هذا القسم من الأحاديث الّذي يركز على الجهات المعنوية أزيد من التركيز على الجهات السياسية.

1ـ حديث الثّقلين

روى أصحاب الصحاح والمسانيد عن النبي الأكرم أنّه قال: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي».

و قال في موضع آخر: «إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». وغير ذلك من النصوص المتقاربة.

و قد صدع بها في غير موقف، تارة بعد انصرافه من الطائف، وأخرى يوم عرفة في حجة الوداع، وثالثة يوم غدير خمّ، ورابعة على منبره في المدينة، وأخرى في حجرته المباركة في مرضه والحجرة غاصّة بأهله.

و لا يشك في صحّة الحديث إلاّ الجاهل به أو المعاند، فقد روي بطرق كثيرة عن نيف وعشرين صحابياً (1).

إنّ الإمعان في الحديث يعرب عن عصمة العترة الطاهرة، حيث قورنت


1 - وكفى في ذلك أن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية قامت بنشر رسالة جمعت فيها مصادر الحديث ونذكر من طرقه الكثيرة ما يلي:صحيح مسلم، ج 7، ص 122، سنن الترمذي، ج 2، ص 207، مسند أحمد، ج 3، ص 17 و 26 و 59. و ج 4، ص 366 و 371. و ج 5، ص 182 و 189.
و قد قام المحدث الكبير السيد حامد حسين الهندي بجمع طرق الحديث و نقل كلمات الأعاظم حوله و نشره في ستة أجزاء و هو من أجزاء كتابه الكبير العبقات.


(106)

بالقرآن الكريم، وأنّهما لا يفترقان، ومن المعلوم أنّ القرآن العظيم، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف يمكن أن يكون قرناءُ القرآن وأعدا له، خاطئين فيما يحكمون ويبرمون، أو يقولون ويحدّثون. فعدم الإفتراق إلى يوم القيامة، آية كونهم معصومين فيما يقولون ويروون.

أضف إلى ذلك أنّ الحديث، يعدّ المتمسّك بالعترة غير ضالّ، بقوله: «لن تضلّوا». فلو كانوا غير معصومين من الخلاف والخطأ، فكيف لا يضلّ المتمسك بهم؟.

نعم، ورد في بعض النصوص مكان كتاب الله وعترتي، كتاب الله وسنّتي (1). وهو على فرض صحته، حديث آخر لا يزاحمه، على أنّه حديث واحد، وهذا الحديث متواتر نقله أعلام الأئمة، وأساتذة الحديث والتاريخ والسيرة، ولا يعلم حقيقة ذلك إلاّ من راجع مصادر الحديث (2). فيقدّم عليه في كل حال.

من هم العترة وأهل البيت؟

لا أظن أنّ أحداً، قرأ الحديث والتاريخ، يشكّ في أنّ المراد من العترة وأهل البيت لفيف خاص من أهل بيته. ويكفي في ذلك مراجعة الأحاديث التي جمعها ابن الأثير في جامعه عن الصحاح، ونكتفي بالقليل من الكثير منها.

1ـ روى الترمذي عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا نزلت هذه الآية:(فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ...) الآية، دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليّاً، وفاطمةً، وحسناً، وحسيناً، فقال: «اللّهم هؤلاء أهلي».


1 - الصواعق المحرقة، ص 89.
2 - وراجع أيضاً في الوقوف على مصادر الحديث، غاية المرام للسيد البحراني، ص 417 ـ 434.
و المراجعات، المراجعة 8. وتعاليق إحقاق الحق، ج 9.


(107)

2ـ وروى أيضاً عن أمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ، قالت: إنّ هذه الآية نزلت في بيتي: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، قالت: وأنا جالسة عند الباب، فقلت: يارسول الله ألست من أهل البيت، فقال: إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول الله، قالت: وفي البيت رسول الله، وعليّ، وفاطمة، وحسن، وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً».

3ـ وروى أيضاً عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يمرّ بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريباً من ستة أشهر، يقول: «الصلاة أهل البيت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)».

4ـ وروى مسلم عن زيد بن أرقم قال: قال يزيد بن حيان: انطلقت أنا وحصين بن سبرة، وعمر بن مسلم، إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يازيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وسمعت حديثه، وغَزَوْتَ معه، وصَلَّيْتَ خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟.

قال: يا ابن أخي والله، لقد كَبُرت سني، وقدم عهدي، فما حدّثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلّفونيه. ثم قال: قام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر ثم قال: أما بعد، ألا أيّها الناس، إنّما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به. فحثّ على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بييتي».

فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟. قال: لا، وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدّهر، ثم يطلّقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهلُ بيتهِ،


(108)

أصلُهُ وعُصْبَتُهُ الذين حُرِموا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ (1).

2ـ حديث السفينة

روى المحدّثون عن النبي الأكرم أنّه قال: «مثل أهلُ بيتي في أُمَّتي، كَمَثَلِ سفينةِ نوح، من رَكِبَها نجا، ومَن تخلّف عنها غَرِقَ» (2).

فشبّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، أهل بيته بسفينة نوح في أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ أصوله وفروعه عنهم نجا من عذاب النّار، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطّوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذلك غرق في الماء وهذا في الحميم.

فإذا كانت هذه منزلة علماء أهل البيت، (فَأَنى تُصْرَفُونَ)؟.

يقول إبن حجر في صواعقه: «و وجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم، شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم، نجى من ظلمة المخالفات. ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النِّعم، وهلك في مفاوز الطغيان» (3).

* * *


1 - لاحظ فيما نقلناه من الأحاديث، جامع الأصول، ج 1، الفصل الثالث، من الباب الرابع، ص 100 ـ 103.
2 - مستدرك الحاكم، ج 2، ص 151. الخصائص الكبرى للسيوطي، ج 2، ص 266.
و للحديث طرق ومسانيد كثيرة، من أراد الوقوف عليها، فعليه بتعاليق إحقاق الحق، ج 9، ص 270 ـ 293.
3 - الصواعق، الباب 11، ص 191. ألا مسائل ابن حجر أنّه إذا كان هذا مقام أهل البيت، فلماذا لَمْ يأخذ هو بهدي أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده، ولا في شيء من علوم السنّة والكتاب، ولا في شيء من الأخلاق والسلوك والأدب؟ ولماذا تخلّف عنهم، فأغرق نفسه في بحار كفر النعم. وأهلكها في مفاوز الطغيان؟!.