يکشنبه 31 ارديبهشت 1391 - الأحد 30 جمادى الثّانيه 1433 - Sun 20 May 2012
 
  • صفحه اصلي سايت
  • نسخه آر اس اس
  • ارتباط با ما
  • سايت عربي
  • آدرس دفاتر
 
 
 
:: الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل / ج 4 ::



(206)

مباحث المعاد

(5)

نماذج من إحياء الموتى في الشرائع السابقة

أثبت الحكماء لليقين مراتب ودرجات، ولكل منها عندهم اسم خاص، ولتبيين هذه الدرجات نأتى بمثال :

إذا سمع الإنسان اسم النار، ولم يرها، وقيل له إنّها موجود عنصرى لها هيئةٌ خاصةٌ، وأ ثر معيّن، في الأعضاء، وأذعن بذلك لكون المخبرين صادقين، فهذه مرتبة من اليقين .

ثم إذا شاهدها من بعيد، ولكن لم تمسّ حرارتها بدنه، وإنّما رأى هيئتها، والتهابها، بأُم عينه، فهذه مرتبة من اليقين أقوى من السابقة.

ولكن أين هذه المرتبة ممّا إذا شاهدها عن كثب ومسّته حرارتها، ففي هذه المرتبة يتكامل يقينه بها، ويبلغ الدرجة القصوى .

وإذا كان لليقين مراتب ودرجات، فلا لوم على الأنبياء والأولياء أن يطلبوا من الله سبحانه إحياء الموتى حتى يشاهدوه بأعينهم لإكمال مراتب يقينهم بالقيامة، وتبديل علم اليقين فيهم بعين اليقين(1) .


1 -اقتباس من قوله سبحانه. (كلاّ لَو تعلمُون عِلمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجحيم* ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَينَ اليقينِ)(التكاثر:الآيات5-7).


(207)

ومن هنا نرى أنّ الله سبحانه أحيا الموتى لإبراهيم الخليل، وعزير، وغيرهم كما سيأتي، والغاية كانت إكمال مراتب اليقين، أو إتمام الحجة على البعيدين عن هذه المعارف، كماهو الحال في إحياء عيسى الموتى لبني إسرائيل، وفيما يلي نورد هذه النماذج من القرآن الكريم.

1ـ إبراهيم وإحياء الموتى

ذكر المفسرون أنّ إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ رأى جيفة تمزقها السباع، فيأكل منها سباع البر، وسباع الهواء ودواب البحر، فسأل الله سبحانه وقال: ياربّ قد علمت أنّك تجمعها في بطون السباع والطير ودواب البحر، فأرني كيف تحييها لأُعاين ذلك؟

يقول سبحانه:(وإذقال إبراهيمُ ربِّ أرني كَيفَ تُحِي الموتى قالَ أَوَلَم تُؤمن قالَ بلى ولكن لِيَطمَئِنَّ قلبي، قال فخُذ أَربَعَةً من الطَّير فَصُرهُنّ إلَيكَ ثّم اجعَل على كلِّ جَبَل منهُنَّ جُزءاً ثَمَّ ادعُهُنَّ يأتينَكَ سَعياً واعلَم أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(1).

وما ذكرنا من سبب النزول يكشف عن أنّه لم يكن غرض إبراهيم إحياء نفس فقط، وإلاّ لكفى فيه إحياء طير واحد بعد إماتته، وإنما لكان الغرض مشاهدة إعادة أجزاء كلّ طير إليه بعد اختلاطها بأجزاء الطيور الأُخر، وهذا لا يتحقّق إلا بتعدد الطيور أوّلاً، واختلافها نوعاً، ثانياً، واختلاطها بعد ذبحها، ثالثاً، فلأجل ذلك ورد أنّه أخذ طيوراً مختلفة الأجناس، قيل إنّها: الطاووس، والديك، والحمام، والغراب، فقطّعها، وخلط ريشها بدمها، ثم فرّقهنّ على عشرة جبال، ثم أخذ بمناقيرهنّ، ودعاهنّ باسمه سبحانه، فأتته سعياً، فكانت تجتمع ويأتلف لحم كلّ واحد وعظمه إلى رأسه، حتى قامت أحياء بين يديه.

وبذلك كمل إيمانه، وتم إذعانه بأنّه سبحانه يمكن أن يعيد أجزاء بدن كل


1 - سورة البقرة: الآية 260 .


(208)

حيّ إليه، وأن اختلط بحىّ آخر، كما لو أكلت الإنسان الميتَ سباعُ البراري وجوارحُ الهواء، وحيتانُ البحار، فإنّ الاختلاط لايكون مانعاً عن الإحياء والإعادة، وقد تقدّم في بيان شبهاتهم أنّ المنكرين كانوا يركزون على «ضلالة الأجزاء» في الأرض، واختلاط أجزاء الموتى بعضها ببعض، وقد قال سبحانه في هذالمجال: (قَد عَلِمنَا ماتَنقُصُ الأرضُ مِنهُم وَعِندَنَاكِتَابٌ حفَيظٌ)(1).

والاستدلال بالآية يتوقف على الإمعان في أمرين :

الأوّل ـ إنّ مقتضى البلا غة مطا بقة الجـواب للسؤال، ولمّا كان سؤاله عن مشاهدة إحياء الموتى ـ واقتضى الحال الإجابة عنه ـ فيجب أن يكون ما يأمر به سبحانه محققاً لاحياء الموتى، وهو لا يتحقّق إلاّ بأن يقوم إبراهيم بتقطيعهنّ وخلط أجزائهنّ، وتفريقهنّ على الجبال .

الثاني: الإمعان في قوله: (فَصُرْهُنَّ)، والمصدر الّذي اشتُقّ منه، وفيه احتمالات:

1ـ مانقل عن ابن عباس من أنه قرأ«فَصَرَّهُنَّ»، بتشديد الراء، من باب صرَّ، يَصُرُّ، من التصرية، وهي الجمع والضم(2) ، وهذه القراءة غيرمعروفة، فهذا الاحتمال ساقط .

2ـ أن يكون مأخوذاً من الصّير، معتل العين، فيقال صار يصير صيراً،بمعنى انتهى إليه، مثل قوله:(إليه المصير). والأمر منه «صُر» ولعل مَن فَسَّره من أهل اللغة بمعنى المَيل أخذه من هذا.

3ـ أن يكون مأخوذاًمن «صري»، معتل اللام،ذكره الفراء في معاني القرآن، فقال إنها إن كانت بمعنى القطع، تكون من «صَرَيت، تصري»، واستشهد بقول الشاعر:


1 -سورة ق:الآية4.
2 -الكشاف، ج 1،ص 296.


(209)

صَرَت نظرة لو صادف جوز دارع * غداً والعواصي من دم الجوف تنعر(1)

فإن جعل من «صَير» يكون بمعنى «أمِلهُنَّ إليك»، ويجب عند ذلك تقدير كلمة اقطعهن، لدلالة ظاهرة الكلام عليه، فيكون معنى الآية. أملهنّ إليك ، فقطِّعهُنَّ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً، مثل قوله: (اضرِب بعصاكَ البَحرَ فَانفَلَقَ)(2)، أي فضرب فانفلق .

وإن جعل من«صري»، تكون الكلمة متضمنة معنى الميل بقرينة تعدّيها بـ «إلى»، فيكون المعنى: اقطعهنّ متمايلات إليك، كتمايل كل طير إلى صاحبه .

وعلى كل تقدير، فالآيه تدل على أنّ إبراهيم قطّعهنّ وخلط أجزاءهنّ، ثم فرقها على الجبال، ثم دعاهن، فأتَينه سعيا.

ومن غريب التفسير، ماذكره صاحب المنارفقال في معنى الآيه ماحاصله: خذ أربعة من الطّير فضمها إليك، وآنسها بك، حتى تستأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك إذا دعوتها، فإن الطيور من أشّد الحيوانات استعداداً لذلك، ثم اجعل كل واحد منها على جبل، ثم ادعها، فانها تسرع إليك من غير أن يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها، كذلك أمرربك إذا أراد إحياء الموتى، يدعوهم لكلمة التكوين: «كونوا أحياء»، فيكونون أحياء، كما كان شأنه في بدء الخلقه في بدء الخلقه، ذلك إذ قال للسموات والأرض:(ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)(3) قال: والدليل على ذلك من الآية قوله تعالى:(فَصُرْهنَّ)، فإن معناه «أملهن»، أي «أوجد ميلاً بها، وأُنسها بك ويشهد به تعديته بإلى، فإنّ صار إذاتعدى بإلى كان بمعنى الإمالة»(4).


1 -معاني القرآن :ج 1ص 174. الشعر: «صَرَت نَظَرة»: أي قطعت نظرة، أي فعلت ذلك، والجوز وسط الشيء والعواصي جمع العاصيوهوالعِرق، ويقال نعرالعِرق: فار منه الدم .
2 -سورة الشعراء:الآية 63.
3 -سورة فصلت الآيه11.
4 -لاحظ تفسير المنار، ج3، ص 55 ـ 58 : وذكر وجوهاً في دعم هذه النظرية التّي نقلها عن أبي مسلم، وقد استحسنها في آخر كلامه وقال: «ولله درّ أبي مسلم، ما أدقّ فهمه وأشدّ استقلاله فيه».


(210)

يلاحظ عليه: إنّ ماذكره خلاف نصوص الآيه، فأنّ إبراهيم طلب من الله سبحانه أن يريه كيف يحيي الموتى أوّلاً، وأراد سبحانه بقرينة تخلل الفاء في قوله: (فخذ)، إجراء ذلك بيد إبراهيم ثانياً، ثم أمره سبحانه أن يجعل كل جزء منهنّ على جبل، لا كل واحد منهن عليه ثالثاً.

وهذه الوجوه تدعم صحة النظرية المعروفة في تفسير الآية. وأماتعدية (صرْهُنّ) بـ (إليك)، فقد عرفت الكلام فيه، وأنّه إن كان بمعنى الميل فالأمر بالتقطيع مقدّر، وإن كان بمعنى القطع، فالكلمة متضمنة لمعنى الميل.

على أنّه لوكان المراد ما اختاره من المعنى، لما احتاج إلى هذا التفصيل، بل يكفي في المقام إحالة إبراهيم إلى لاعبي الطيور، الذين يربون الطيور، حتى إذا استأنسوا بأصحابهنّ، يفرقونهنّ للطيران، ثم يد عونهنّ بالصفير والعلامات الخاصة، فيأتين سعياً.

ولعمرى،إنّ هذا التفسير يحطّ من عظمة القرآن، وجلالته، ويفتح الباب للملحدين في تأويل مادلّ عليه القرآن من معاجز وكرامات الأنبياء والرسل، ولقد أعرب الكاتب عن باعثه في آخركلامه بقوله: «وأمّا المتأخرون فهمّهم أن يكون في الكلام خصائص للأنبياء، من الخوارق الكونية، وإن كان المقام، مقام العلم والبيان والإخراج من الظلمات إلى النور، وهو أكبر الآيات، الخ »(1) .

وهذا يعرب عن أن المعاجز بنظره، تضاد العلم ولا تصلح للإخراج من الظلمات إلى النور، مع أنّه سبحانه أسماها بالبينات، وقال:(وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَيِّنَات )(2).

* * *


1 -المصدرالسابق،ص58.
2 -سورة الإسراء:الآيه 101. ولقد خرجنا في تفسير الآية عمّا اتبعناه من الإيجاز إيعازاً للباحث بما في المنار وأمثاله من الدعوات التّي لا تتفق مع مبادئ الإسلام، وسيلاحظ نظيره في الآية التالية .


(211)

2ـ احياء عزير

يحكي الذكر الحكيم أنّ رجلاً صالحاً مرّ على قرية خربة، وقد سقطت سقوفها، فتساءل في نفسه، كيف يحيي الله أهلها بعدما ماتوا؟، ولم يقل ذلك إنكاراً ولا تعجّباً ولا ارتياباً، ولكنه أحبّ أن يريه الله إحياءها مشاهدة، مثل قول إبراهيم الّذي تقدم، فأماته الله مائة سنة ثم أحياه، فسمع نداءً من السماء: «كم لبثت؟»، فقال: «لبثت يوماً أو بعض يوم»، لأنّ الله أماته في أول النهار، وأحياه بعد مائة سنة في آخرالنهار، فقال: يوماً، ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم. فجاءه النداء بل لبثت مائة سنة، فانظر إلى طعامك وشرابك لم تغيّره السنون، وقيل كان زاده عصيراً، وتيناًوعنباً، وهذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيّراً وفساداً فوجد العصير حلواً، والتين والعنب جنيان لم يتغيّرا، ثم أُمر بأن ينظر إلى حماره كيف تفرقت أجزاؤه وتبدّدت عظامه، فجعل الله سبحانه إحياءه آية للناس وحجة في البعث. ثم جمع الله عظام حماره وكساها لحماً وأحياه .

يقول سبحانه:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَ هِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَ شَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(1).

والإمعان في قوله سبحانه:(فأماته الله مائة عام)، يفيد أنه أماته سبحانه، ثم أحياه بعد تلك المدة.

كما أنّ الإمعان في قوله:(وانْظُر إلى العِظام) ، سواء أُريد منه عظام حماره أو غيره، يفيد أنّه سبحانه كساها لحماً ثم أحياه، فكان هناك إحياءٌ لميّتين .

وقد سلك صاحب المنار في تفسير الآية نفس المسلك السابق، فحملها على


1 -سورة البقرة: الآية 259.


(212)

انّ المراد من الإماتة هنا السّبات، وهوالنوم المستغرق الذي سمّاه الله سبحانه: وفاة، واستعان في تقريبه بأنّه قد ثبت في هذا الزّمان أنّ من الناس من تحفظ حياته زمناً طويلاً يكون فيه فاقد الحس والشعور، فلبث الرجل الّذي ضرب على سمعه مائة سنة، غير محال في نظرالعقل(1).

يلا حظ عليه: إنّ تفسيرالموت بالسّبات يحتاج إلى دليل، والظاهرمنه هوالإماتة الحقيقية.

وقياس المقام بأصحاب الكهف، قياس مع الفارق، حيث إنه سبحانه يصرّح هناك بالسّبات، ويقول:(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا)(2) ويقول: (وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَ هُمْ رُقُودٌ)(3)، بخلاف المقام.

على أنه لا يتطّرق في العظام التّي أنشزها، ثم كساها لحماًوأحياها. فلا مصير لمفسّر كلام الله من الإذعان بالغيب، والقدرة المطلقة لله جلّ وعلا.و محاولة تفسيرالمعاجز بما ثبت في العلوم، نوع انسحاب في الصراع مع الماديين المنكرين لكلّ ما لايتّفق مع أصول العلم الحديث .

3ـ إحياء قوم من بنى إسرائيل

ذكر المفسرون أنّ قوماً من بني إسرائيل فروا من الطاعون أو من الجهاد، لمّا رأوا أنّ الموت كثر فيهم، فأماتهم الله جميعاً، وأمات دوابهم. ثمّ أحياهم لمصالح مذكورة في الآية التالية، قال سبحانه:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)(4).


1 -المنار،ج 3،ص 50 .
2 -سورة الكهف: الآيه 11.
3 - سورة الكهف: الآية18.
4 -سورة البقرة:الآية243.


(213)

والرؤية في الآية بمعنى العلم،أي «ألم تعلم»، وذكر المفسّرون حول فرارهم من الموت، وكيفية إحيائهم، أُموراً، يرجع إليها في محلّها(1).

والآية كماتثبت وقوع إحياء الموتى، بعد إمكانه، تثبت إمكان الرجعة إلى الدنيا، على ما يتبنّاه الشيعة الإمامية، كماهوالحال أيضاً في إحياء عزير، وسيوافيك الكلام فيها بعد الفراغ من المعاد.

ومما يثير العجب ماذكره صاحب المنار حيث قال: «الآية مسوقة سوق المثل، والمراد بهم قومٌ هجم عليهم أُولو القوة والقدرة من أعدائهم لاستذلالهم واستخدامهم وبسط السلطة عليهم، فلم يدافعوا عن استقلالهم، وخرجوا من ديارهم وهم ألوف، لهم كثرة وعزة، حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا موت الخزي والجهل، والخزي موتٌ والعلم وإباء الضيم حياة، فهؤلاء ماتوا بالخزي، وتمكّن الأعداءمنهم، وبقوا أمواتاً ثم أحياهم بإلقاء روح النهضة والدفاع عن الحق فيهم فقاموا بحقوق أنفسهمواستقلوا في ذلك »(2).

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ الظاهر أنّ الآية تبيّن قصةً واحدة، وهي فرار قوم من الموت، فأماتهم الله، ثم أحياهم، لا بيان قصتين. بمعنى تشبيه من لم يدافعوا عن عزتهم، وغلبوا، وبقوا كذلك حتى نفث في روعهم روح النهضة، فقاموا للدفاع، بقوم فروا من الموت الحقيقي، فأماتهم الله موتاً حقيقياً، ثم أحياهم، ولو كانت الآية جارية مجرى المثل لوجب أن يكون هناك مشبّه ومشبّه به، مع أنّ الآية لاتحتمل ذلك .

ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه عندما يريد التمثيل بمضمون آية يأتي بلفظ «مثل»، ويقول (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً )(3); و(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ)(4); و(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ


1 -لاحظ مجمع البيان،ج1ص346ـ347.وغيره.
2 -المنار،ج3،ص458ـ459.
3 -سورة البقرة:الآية 17.
4 -سورة يونس: الآية 24.


(214)

أَسْفَاراً)(1).

وثانياً: لوكان المراد من الموت، مو ت الخزي، ومن الحياة، روح النهضة، للزم على الله سبحانه مدحهم وذكرهم بالخير، مع أنّه يذمّهم في ذيل الآية، فإن فيها:(إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)(2).

ثم إنّ صاحب المنار استعان في ردّ نظرية الجمهور، بقوله سبحانه:(لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى)(3) فلا حياة في هذه الدنيا إلا حياة واحدة (4).

ولكن عزب عنه أنّ ماجاءفي الآية يدل على سنّة الله تعالى في عموم الناس، وهذا لا يخالف اقتضاء مصالح معيّنة، أن يذوق البعض النادر منهم حياتين، وقد وافاك الكلام في ذلك عند البحث في الحياة البرزخية .

4 ـ إحياء قتيل بني إسرائيل

روى المفسرون أنّ رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له غنياً، ليرثه وأخفى قتله له، ورغب اليهود في معرفة قاتله، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا بعض القتيل ببعض البقرة، ليحيا ويخبر عن قاتله، وقد قاموا بذبح هذه البقرة بعد تساؤلات بينهم وبين موسى تكشف عن لجاجهم وعنا دهم. ثم ضربوا بعض القتيل بها، فقام حيّاً وأوداجه تشخب دماً، وقال: «قتلني فلان ابن عمي»، ثم قبض. يقول سبحانه :

(وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * .... * وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَ اللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ


1 - سورة الجمعة: الآية 5.
2 -سورة النمل: الآية 73.
3 -سورة الدخان:الآية56.
4 -المنار،ج 2،ص459.


(215)

الْمَوْتَى وَ يُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(1).

إنّه سبحانه وإن كان قادراً على إحيائه من دون ذبح البقرة، ولكنه أمرهم بذلك لأنّهم سألوا موسى أن يبيّن لهم حال القتيل وهم كانوا يعدّون القربان من أعظم القربات.

فأمرهم الله بتقديم هذه القربة تعليماً منه لكلّ من صعب عليه أمرمن الأُمور، أن يقدّم نوعاً من القرب قبل أن يسأل الله تعالى كشف ذلك عنه، ليكون أقرب إلى الإجابة، وإنما أمرهم بضرب بعض القتيل، ببعض البقرة، بعد أن جعل اختيار وقت الإحياء إليهم، ليعلموا أنّ الله سبحانه وتعالى قادرٌعلى إحياء الموتى في كل وقت من الأوقات، ومعنى قوله:(إضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى)، إنهم ضربوه فأُحيي، مثل قوله سبحانه:(اضرب بعصاك البحر فانفلق)، أي فضربه فانفلق، وقوله (كذلك يحيي الله)، يرادمنه تفهيم قوم موسى بأنّهم إذ عاينوا إحياء الميت، فليعلموا أنّ الله قادرعلى إحياء الموتى للحساب والجزاء.

هذا ما ذهب إليه الجمهور في تفسير الآية، وهو المتبادرمنها، وقد اتخذ صاحب المنار في تفسيرالآية موقفه السلبي في باب المعاجز والكرامات، فقال بعد ماذكر نظرية جمهور المفسرين:«والظاهر مما قدمناه أنّ ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل، إذاوجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله، ليعرف الجاني من غيره، فمن غسل يده(2)وفعل مارسم لذلك في الشريعة، برئ من الدم، ومن لم يفعل، تثبت عليه الجناية. ومعنى إحياء الموتى على هذا، حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس، أي يحييها بمثل هذه الأحكام. وهذا الإحياء على حد قوله تعالى:


1 -لاحظ سورة البقرة: الآيات 67ـ 73.
2 - لاحظ في كفية ذلك، العهد القديم سفرالتثنية: الأصحاح 21،ص211، ط دارالكتاب المقدس، وحاصله أنّهم يغسلون أيديهم في دم عجلة ويقولون: أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر.


(216)

(وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )(1) وقوله:(وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )(2)»(3).

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ هذا التفسير لا ينطبق على قوله:(فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها)، فإنّ معناه:اضربوا بعض النّفس المقتولة ببعض جسم البقرة، وأين هذا من غسل أيدي المتهمين في دم العجلة المقتولة، فهل غسل الأيدي في دمها عبارة عن ضرب المقتول ببعض البقرة؟!

وثانياً: إنّه سبحانه يقول:(كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته)، فالقصة تتضمن آية من آيات الله، ومعجزة من المعاجز، فهل في غسل الأيدي بدم العجلة ودرء التهمة عن المتهم،إراءة للآيات الإلهية.

وثالثاً: إنّ تفسير الآية بالاستناد إلى الإسرائيليات والمسيحيات، مسلك ضال في تفسير كتاب الله العزير، وليس اللجوء إليها إلا لأجل ما اتخذه صاحب المنار من موقف مسبق تجاه المعاجز وخوارق العادات، وإصراره على إرجاع عالم الغيب إلى الشهادة.

5 ـ إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى

ذكر المفسرون أنّ موسى ـ عليه السَّلام ـ اختار من قومه سبعين رجلاً حين خرج من الميقات ليكلمه الله سبحانه بحضرتهم، فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل لعدم وثوقهم بأنّ الله سبحانه يكلّمه، فلما حضروا الميقات، وسمعوا كلامه تعالى سألوا الرؤية، فأصابتهم الصاعقة فماتوا، ثم أحياهم الله تعالى (4)، يقول سبحانه:

(وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ


1 -سورة المائدة: الآية 32.
2 -سورة البقرة: الآية 179.
3 -لا حظ المنارج1، ص 345ـ350.
4 - مجمع البيان، ج2،ص 484.


(217)

الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1).

ويقول سبحانه:(وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ)(2).

والمتبادر من الآية هو إحياؤهم بعد الموت، والخطاب لليهود والمعاصرين للنبي باعتبار أسلافهم، ولا يفهم أي عربي صميم من جملة:(ثمّ بعثناكم من بعد مو تكم):سوى الإحياء بعد الإما تة.

وقد اتخذ صاحب المنار في تفسير الآية موقفه المعلوم من المعاجز، فذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النّسل. أي إنّه بعد ما وقع فيهم الموت بالصاعقة، وظنّ أن سينقرضون، بارك الله في نسلهم، ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التّي تمتع بها الأباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها(3) .

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ الظاهرمن قول موسى:(لوشئت أهلكتهم من قبل)، أنّه سبحانه أجاب دعوته، وأحياهم حتى يدفع عنه عادية اعتراض القوم بأنّه ذهب بهم إلى الميعاد، فأنّه ذهب بهم إلى الميعاد، فأهلكهم. وهذا لا يتم إلا إذا كان المراد هو إحياؤهم حقيقة .

وثانياً: إنّ الرجفة لم تأخذ إلا سبعين رجلاً من قومه، فليس في إهلاكهم مظنة انقراض نسلهم .

وعلى كل تقدير فالباعث لصاحب المنار على تفسيره، هو جنوحه إلى إنكار المغيبات، وتطبيق ماورد في الذكر الحكيم على العالم الحسّي التجريبي.

6 ـ المسيح يحيي الموتى

إنّ الكتاب الحكيم يذكر في غيرمورد، إحياء المسيح للموتى. قال تعالى


1 -سورة البقرة: الآيتان 55 ـ 56.
2 - سورة الأعراف: الآية 155.
3 - تفسير المنار،ج1،ص 322.


(218)

حاكياً عنه (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَ أُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ وَ أُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ )(1).

وقال تعالى: (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ... وَ تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)(2).

وقد تضافر في التاريخ والإنجيل والحديث، قيام المسيح بإحياء الموتى مرات عديدة، بحيث صار المسيح علماً وسمة لإحياء الموتى، وعلاج الأمراض المستعصية .

7 ـ إيقاظ أصحاب الكهف

روى المفسرون أنّ فتيةً من قوم آمنوا بالله تعالى وكانوا يخفون إيمانهم خوفاً من ملكهم، الّذي كان يعبد الأصنام ويدعو إليها، ويقتل من خالفه، والفتية كانوا على دين المسيح، وكان كل واحد منهم يكتم إيمانه عن صاحبه. ثم اتفق أنّهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم لبعضهم، ولجأوا إلى كهف فضرب سبحانه على آذانهم، فناموا في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم. يقول سبحانه:

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَىِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا )(3).

والمراد من الضرب على الآذان هو إنامتهم، لا سلب حياتهم، كمايقول سبحانه:(وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَ هُمْ رُقُودٌ)(4).


1 -سورة آل عمران: الآية49.
2 -سورة المائدة :الآية110.
3 - سورة الكهف :الآيات 10ـ12.
4 -سورة الكهف :الآية 18.


(219)

فإنامة الله سبحانه هؤلاء الفتية هذه المدّة المديدة،ثم إيقاظهم، لا يقصر عن الإماتة والإحياء، والقادر عليه قادر على إحياء الموتى .

* * *

هذه النماذج المحسوسة من إحياء الموتى، إذا انضمت إلى البراهين الناصعة الدالة على إمكان إحياء الموتى، من طريق سعة قدرته سبحانه، توجب القطع بإمكان المعاد، وجمع العباد بعد موتهم، للحساب والجزاء .

* * *


(220)

مباحث المعاد

(6)

الموت نافذة إلى حياة جديدة

الموت آخر مرحلة من مراحل الحياة الدنيوية، وأوّل مرحلة من الحياة الأُخروية. ولأجل التعرف على ماورد حوله من الآيات، نبحث عن الأُمور التالية:

1ـ الموت في اللغة والقرآن .

2ـ هل الموت أمرٌ عدمي أو وجودي ؟

3ـ الموت سنّة من سنن الله العامة.

4ـ لماذا يستوحش الإنسان من الموت ؟

5ـ الموت وأقسامه في القرآن .

6 ـ الموت والأجل المسمّى .

7 ـ الإنابة حال الموت .

8 ـ الوصية عند الموت .

9 ـ جهل الناس بأوان موتهم .

10 ـ الموت والملائكة الموكّلون بقبض الأرواح .

وفيما يلي نبحث عن كل واحد منها.

* * *


(221)

الأمر الأوّل ـ «الموت» في اللغة والقرآن

قال في المقاييس: «الموت، أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه: الموت خلاف الحياة»(1) . وهذا هو الأصل في استعماله، فلو أطلق لفظ الموت على إطفاء النار، وخروج الأرض من قابلية الزرع والاستصلاح، أو على النوم، فالكل يرجع إلى ذلك الأصل.

قال في اللسان: «الموت يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة، فمنها ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات، كقوله تعالى: (يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)(2).

ومنها زوال القوة الحسّية، كقوله تعالى ـ حاكياً قول مريم ـ عليها السَّلام ـ (يَا لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَذَا)(3).

ومنها زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة، كقوله تعالى: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)(4)، و(إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى)(5).

ومنها الحزن والخوف المكدر للحياة، كقوله تعالى:(وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَ مَا هُوَ بِمَيِّت )(6).

وقد يستعارالموت للأحوال الشّاقة، كالفقر والذّلّ، والسؤال والهرم، والمعصية».(7) فالاستعمال في الجميع بأصل واحد.

وقد استعمل القرآن لفظ الموت ـ كما عرفت ـ في موارد، بهذا الملاك، مثلاً يقول:(وَ آيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ)(8). ويقول في الأصنام(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء )(9) ويطلقه على المراحل المتقدمة من خلق الإنسان، فيقول:(وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ)(10). فترى في الجميع نوع ذهاب وزوال، إمّا للطاقة كما في


1 -مقاييس اللغة، ج5،ص 283.
2 -سورة الروم: الآية 50.
3 -سورة مريم: الآية 23.
4 -سوة الأنعام: الآية 122.
5 -سوة النمل: الآية 80.
6 -سورة إبراهيم:الآية 17.
7 -لسان العرب، ج2،ص 92. لاحظ بقية كلامه .
8 -سورة يس:الآية33.
9 -سورة النحل:الآية 21.
10 -سورة البقرة: الآية 28.


(222)

الأرض، أو للقدرة على الحركة والتكلم، كما في الأصنام، وغيرذلك .

الأمر الثانى ـ هل الموت أمر عدمي؟

إن ملاحظة المعنى اللغوي، والاستعمال القرآني للفظ الموت، يفيد أنّ الموت أمرٌ عدمى، ولكنه من زاوية أُخرى، ليس أمراً عدمياً في موت الإنسان، وذلك لو فسّر الموت بقبض الملائكة الطاقات الحسية الموجودة في الإنسان، فإنّه أمرٌ وجوديٌ، وإن كانت النتيجة أمراً عدمياً.

ويمكن جعله أيضاً من الأمور الوجودية ـ في الإنسان، بمعنىً آخر، وهو أنّ الموت نافذة على الحياة الجديدة، وانتقال من منزل إلى منزل، وإلى ذلك لمحات في كلام الأئمة الأطهار من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله .

يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ: «أيّها الناس، إنّا خلقنا وإيّاكم للبقاء، لا للفناء لكنكم من دار إلى دار تنقلون (1).

ويقول سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ مخاطباً أنصاره يوم عاشوراء ـ : «صبراً بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء الى الجنان الواسعة، والنعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟»(2).

ويمكن جعله أمراً وجودياً أيضاً، ببيان ثالث، وهو أنّ الموت حّد الحياة الدنيوية، وجدارها الذي إليه تنتهي.

أضف إلى ذلك أنّ الموت ربما يوصف بكونه أمراً عدمياً اذا نسب إلى الجسم، وأمّا إذا نسب إلى الروح فلا يمكن تفسيره إلاّ بأمر وجودي، وهو انتقالها من مرحلة إلى مرحلة.


1 -الإرشاد، للشيخ المفيد،ص 127.
2 -معاني الأخبار، للصدوق، ص 289.


(223)

ولعلّه ـ لأحد هذه الوجوه ـ تعلق به الخلق في قوله سبحانه:(الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ)(1)؟.

والتقدير في قوله سبحانه ـ في تقدير حياة الإنسان ـ :(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ مَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)(2).

الأمر الثالث ـ الموت سنة عامة في الخلق

إن قوانين الديناميكا الحرارية تدلّ على أنّ مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً، وأنّها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة البالغة الانخفاض (3). فيومئذ تنعدم وتستحيل الحياة، وهذا ماكشف عنه العلم الحديث.

والقرآن يصف الموت سنة إلهية عامة، فيقول في الإنسان:(أَيْنَ مَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة)(4).

ويقول:(كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)(5) ويقول:(وَ مَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَئِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)(6).

ويقول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ: «ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلّماً، أو لدفع الموت سبيلاً، لكان ذلك سليمان بن داود ـ عليه السَّلام ـ، الذي سخّر له ملك الجنّ والإنس»(7) .


1 -سورة الملك :الآية 2.
2 -سورة الواقعة :الآية60.
3 -وهي الصفر المطلق .
4 -سورة النساء:الآية 78.
5 -سورة آل عمران: الآية 185 .
6 -سورة الأنبياء :الآية34. ولاحظ الآيات التالية:آل عمران:الآية 15، الأحزاب:الآية60، الزمر: الآية16، الواقعة:الآية8، الجمعة: الآية 8، وغير ذلك.
7 -نهج البلاغة، الخطبة 182.


(224)

وهناك آيات تدلّ على أنّ انهدام النظام أمر حتمي يوم القيامة، وهو موته وسيجيء الكلام فيه في المباحث الآتية.

الأمر الرابع ـ لماذا يستوحش الإنسان من الموت؟

إنّ للإنسان علاقة شديدة بالبقاء، وهي ميل طبيعي يحسّه بفطرته. وبما أنّ الموت يضادّ تلك النغمة الفطرية، فيجزع الإنسان العادي غير العارف بحقيقة الموت .

وعلى كل تقدير، فالناس في الحياة الدنيا على قسمين: قسم يستوحش من الموت، ويتصوره شبحاً مخيفاً، يريد أن يقطع أنياط قلبه ويفترس حياته، وهؤلاء بين من يرى الموت آخر الحياة ونفادها، ويتخيّلون أنّ الموت إبطال لذواتهم وشخصياتهم، ومن يعتقد أنّ الموت نافذة للحياة الأُخرى، من دون أن يستعدوا لتلك المرحلة بصالح الأعمال، بل أثقلوا كواهلهم بالمعاصي والذنوب، فالموت عندهم سمّ يتجرعونه .

يقول سبحانه تنديداً باليهود:(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)(1).

وقسم آخر، يشتاقون إلى الموت ويتلقونه بصدور رحبة، ووجوه مشرقة، لأنّهم يرونه انتقالاً من حياة مرّة إلى حياة حلوة، وهؤلاء هم الأنبياء والأولياء.

يقول الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ: «ولولا الأجل الّذي كتب عليهم، لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب، وخوفاً من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم».


1 -سورة البقرة: الآيتان 94ـ95، ولاحظ الجمعة:الآيتان 7ـ8.


(225)

الأمر الخامس ـ الموت وأقسامه

ينقسم الموت إلى أقسام نأتي بها فيما يلي:

أـ الموت السهل والموت العسير

لا شكّ أنّ الإنتقال من مرحلة إلى مرحلة أُخرى، لا يخلو من مشقة، حتى أنّ الطفل عندما ينتقل من عالم الأجنّة إلى عالم الشهود، يتحمل جهداً ومشقة بالغين. وللإ نسان في إطار حياته في النشأتين مراحل حسّاسة تعدّ كلٌّ منها منعطفاً في مسيرته الوجودية، وهي: مرحلة التّولّد، ومرحلة الموت، ومرحلة البعث، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه:(وَ سَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)(1).

فالموت أحد هذه الحلقات الرئيسية في وجود الإنسان، فهو لا يخلو بطبعه من مشقة وعسر، ولكن لو غضّ البصر عنه، فالموت حسب القرآن ينقسم إلى موت سهل وموت عسير:

الأوّل لصلحاء المؤمنين، والثاني للعصاة والكافرين .

يقول سبحانه:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(2).

ويقول سبحانه:(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً)(3).

ويقول سبحانه في العصاة والظالمين: (وَ جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)(4).


1 -سورة مريم: الآية15، ولاحظ مريم: الآية 33.
2 -سورة النحل: الآية 32.
3 -سورة الفجر: الآيتان 27 ـ 28.
4 -سورةق :الآية 19.


(226)

ويقول سبحانه:(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبَارَهُمْ)(1).

وفي الروايات الإسلامية أخبار كثيرة فيما قدمنا(2).

ب ـ موت البدن وموت القلب

وهناك تقسيم آخر للموت حسب متعلقه، وهو أنّه تارة ينسب إلى الجسم والبدن، وأُخرى إلى القلب ومراكز الإدراك، والأول هو الموت الطبيعي، والثاني من شؤون بعض الأحياء، إذا حلّ الكفر محلّ الإيمان، والجهل مكان العلم في قلوبهم، فهؤلاء أموات بهذا النظر، وإن كانوا أحياء ماديين يأكلون ويشربون ويتحركون، يقول سبحانه:(إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَ لاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)(3) ويقول:(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَ جَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا)(4).

ولا يختص الموت بهذه الطغمة الظالمة، بل يعمّ المتخاذلين المستبطئين في الدفاع عن عزّهم وكيانهم، ليعيشوا أياماً أو أعواماً صاغرين، فهؤلاء أموات في منطق الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ، كما أنّ المتفانين في حفظ عزّتهم وكرامتهم أحياء، وإن تضرّجوا بدمائهم في سوح الجهاد، يقول ـ عليه السَّلام ـ:«فالموت، في حياتكم مقهورين والحياة، في موتكم قاهرين »(5).

كما أنّ من لا يحسّ بالمسؤولية أمام المجتمع، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعامة مراتبهما، ميّت الأحياء، يقول علي ـ عليه السَّلام ـ: «ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه، وقلبه ويده، فذلك ميّت الأحياء»(6).


1 -سورة محمد: الآية 27.
2 -لاحظ بحارالأنوار،ج6 ص 122ـ154.
3 -سورة النمل :الآية 80.
4 -سورة الأنعام:الآية 122. ولاحظ الروم:الآية 51 ـ52.
5 -نهج البلاغة الخطبة51.
6 -نهج البلاغة، قسم الحكم، الرقم:374.


(227)

ج ـ موت الفرد والمجتمع

إنّ للفرد شؤوناً من أوج وحضيض، ورقىّ وهبوط، وموت وحياة، كما أنّ للمجتمع نفس تلك الشؤون، حرفاً بحرف .

مثلا :إنّ الثورة نواة تنبت وتشتد وتستوي وتأخذ لنفسها حالة الهجوم والاندفاع، ولا تبرح على تلك السّمة حتى تنتقل إلى حالة أُخرى، تأخذ لنفسها حالة الدفاع، وردّ السّهام الموجهة إليها. ولن تبرح على تلك الحالة حتى ينجرّ أمرها إلى الانكسار والإنقراض .

ونظير ذلك جميع الحضارات البشرية، والمناهج الاقتصادية والسياسية والإنسانية، فلكلٍّ منها حالات ثلاث :هجوم، دفاع، خمود.

فكما أنّ لكل فرد حياةً وموتاً وأجلاً حسب القرآن، كذلك إنّ للمجتمع حياةً وموتاً وأجلاً.

يقول سبحانه:(وَ لِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(1).

ويعود القرآن ليبين، عامل تدمير الحضارات والمجتمعات والأنظمة البشرية، ويركز منها على الظلم بالأخص، وعلى الإتراف ثانياً، فالظلم خروج عن الحدّ الوسط، والإتراف هو الانهماك في المعاصي، وكلاهما يعجل في هلاك المجتمع واندثاره .

يقول سبحانه:(وَ مَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)(2). ويقول أيضاً: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا (بالطاعة) فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)(3).

ويقول سبحانه:(وَ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوح وَ كَفَى بِرَبِّكَ


1 -سورة الأعراف: الآية 34. ولاحظ سورة يونس: الآية 49.
2 -سورة هود: الآية 117.
3 -سورة الإسراء:الآية 16.


(228)

بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)(1).

والإمعان في هذه الآية يفيد أنّ الظلم والفسق والذنوب، مدمرات للمجتمع (2).

د ـ موت العزّ وموت الهوان

ينقسم الموت إلى موت عزٍّ وموت هوان، فالفادون أنفسهم في طريق نشر القسط والعدل والعلم وسائر المبادئ الإلهية يموتون موت عزّ وشرف، والذين يقاتلون في سبيل الطاغوت ونشر الشّر والجهل والفساد، لغاية نيل أجور ضئيلة ومناصب مؤقتة، يموتون موت الهوان والذلّ والعار.

يقول سبحانه:(وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ)(3).

ويقول سبحانه فيمن خرج طالباً للعلم والإيمان:(وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ)(4).

الأمر السادس ـ الموتُ والأجل المُسَمّى:

يقسم القرآن الأجل، واجل مسمى، وبيانه :

إنّ لكل نوع من أنواع الموجودات الحيّة، بل مطلق الموجورات، قابلية خاصة لإدامة الحياة والوجود. ومن هذا، مايقال إنّ العمر الطبيعي للإنسان هو


1 -سورة الإسراء: الآية 17.
2 -وأما ما هي الصلة بين هذه العوامل وتدمير المجتمع وانحلاله، فهو يحتاج إلى بيان خارج عن موضوع الكتاب، غير أنّا نقول إجمالاً: إنّ بين هذه العوامل وإهلاك المجتمع، رابطة مادية وطبيعية، وفي الوقت نفسه رابطة إلهية، فالوقوف على العلل المادية لا يغني عن الإذعان بأنّ هناك رابطة غيبية بين هذه العلل ومعلولها.
3 -سورة البقرة:الآية 154. ولاحظ سورة آل عمران :الآية169.
4 -سورة النساء:الآية 100، ولاحظ سورة الحج الآية 58.


(229)

مائة وعشرون سنة، فالإنسان ـ بما هو إنسان - قابل لأن يعيش هذا المقدار من الزّمن. وفي ضوء ذلك، لكلّ إنسان «أجل»، بهذا المعنى، ولكنه ليس أجلاً حتمياً وقطعياً، بل قد ينقص عنه أويزيد عليه لعوامل خاصة في حياته، فربّ إنسان يموت في العقد الخامس أو السادس من عمره، وهو أجل حتمي ومسمّى له، مع أنّ الأجل المطلق كان أزيد منه. وربّ إنسان يعيش أزيد من هذا الحدّ الطبيعي، ويموت في العقد الخامس عشر من عمره، وهو أجل حتميٌّ ومسمّى له، وإن كان الأجل المطلق أنقص منه .

والأجل المطلق يعرفه غيره سبحانه، ولكنّ الأجل الحتمي عنده، فهو الّذي يعرف الحدّ الّذي تقف فيه حياة كل أنسان، ولا تتجاوزه قطعاً، يقول سبحانه:(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)(1).

الأمر السابع ـ الإنابة عند الموت

قد عرفت أنّ قسماً من النّاس يخافون من الموت لما علموا من أنّ كواهلهم مثقلة بعظائم الذنوب، أو لاعتقادهم بأنّه خاتمة المطاف في الحياة البشرية. والصنف الأوّل، إذا فوجئوا بالموت، يلجأون إلى التوبة والإنابة، ويندمون، ولكن لات حين مندم، فإنّهم قد ضيّعوا الفرص، والتوبة إنّما تقبل إذا كان الإنسان ذا مقدرة على الفعل والترك والطاعة والعصيان، فيرجّح باختياره الانقياد، على المخالفة، وهذا من تقبل توبته، لأنّ الإنابة في هذا المقام، تكشف عن تحول روحي، وثورة نفسانية على المعصية والتمرد والتجرّي، وأمّا إذا وصل الأنسان في مدارج حياته إلى نقطة ليس أمامه إلاّ طريق واحد، وهو ترك التمرّد،


1 - سورة الأنعام: الآية2 وبما أنّ الكلام فيه قد سبق في الجزء الثاني من هذا الكتاب «الإلهيات»،ص 242ـ246، فقد اكتفينا بهذا المقدار.


(230)

لفقدان القوة والطاقة، فلا تقبل التوبة عند ذاك، لأنّها لا تكشف عن انقلاب روحي نحو الكمال، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه:

(وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ)(1).

وقد ندم طاغية مصر، فرعون، عندما وافاه الغرق، وأحس بالعجز عن استمراره بالعصيان فأسلم، وقال:(آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(2).

وقد كان الطغاة من الأُمم السالفة على هذا النمط، فلا يلجأون إلى الإنابة إلاّ بعدما يروا بأس الله تعالى، يقول سبحانه:

(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)(3).

يقول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ:« فهو يعضّ يده ندامةً على ما أصحرله عند الموت من أمره »(4).

الأمر الثامن ـ الوصية عند الموت

لا ينبغي لا مرئ مسلم أنّ يبيت ليلةً إلاّ ووصيته تحت رأسه (5).

ومع ذلك ربما يترك الإنسان هذه الفريضة، فله الإيصاء حال الموت .

يقول سبحانه:(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا


1 -سورة النساء:الآية 18.
2 -سورة يونس :الآيتان 90 ـ 91.
3 -سورة غافر: الآيتان: 84 ـ 85.
4 -نهج البلاغة، الخطبة 109.
5 -وسائل الشيعة، ج13، كتاب الوصايا، الباب الأول، الحديث 7.


(231)

الْوَصِيَّةُ)(1) والمراد من الخير هوالمال .

ويقول سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ...)(2).

الأمرالتاسع ـ جهل الناس بأوان موتهم

اقتضت الحكمة الإلهية جهل الناس بزمان ومكان موتهم، وذلك لوجهين :

أ ـ لو علم الإنسان بزمن موته، فربما يفشل في العمل قبل أن يحلّ أجله، فأنّ العامل الباعث إلى العمل والنشاط في الحياة، هو الأمل، فالأمل رحمة، ولولاه لما أرضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجرة(3).

ب ـ إنّ لجهل الإنسان بأوان موته ومكانه، تأثيراً تربوياً، فإنّه لوعلم بأنّه سيموت بعد عام أو أشهر، فترك التمرّد والتجري، فلا يعد ذلك كمالاً روحياً وثورة للفضائل على الرذائل، وهذا بخلاف ما إذا سلك طريق الطاعة، وترك المعصية، وهو يرجو العيش أعواماً طويلة، فانّه يكشف عن كمال روحي، يدفعه نحو الفضائل، يقول سبحانه: (وَ مَا تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ)(4).

الأمرالعاشر ـ الملائكة الموكّلون بقبض الأرواح .

قد عرفت أنّ الخلق والتدبير من شؤونه سبحانه، فهوالقائل عزّ وجلّ:


1 -سورة البقرة: الآية 80 .
2 - سورة المائدة: الآية 106 .
3 - سفينة البحار، مادة:«أمل» .
4 - سورة لقمان، الآية34، وها هنا وجه ثالث وهوأنّ علم الإنسان بزمن موته يشجّعه على الفجور والعصيان متكلاً على التوبة والإنابة قبل مدّة من حلول أجله .


(232)

(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1). غير أنّ كونه مدبّراً لا ينافي أن يكون هناك أسبابٌ غيبيّة أو طبيعية لقبض الأرواح فأنّه أيضاً من شؤون التدبير. فتوفي الأنفس وأخذها، فعلٌ لله سبحانه، وفي الوقت نفسه فعلٌ لملائكته، يقول سبحانه:(اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(2).

وفي الوقت نفسه ينسبه إلى الملائكة، ويقول:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ)(3).

وفي موضع ثالث ينسبه إلى ملك الموت، ويقول (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ)(4).

والنّسب كلّها صحيحة، أخذاً بما ذكرناه في أقسام التوحيد من أنّ شيئاً واحداً يكون فعلاً لله سبحانه، وفي الوقت نفسه فعلاً لعباده، وقد تقدّم ذلك مفصّلاً.

* * *


1 -سورة الأعراف:الآية 54 .
2 - سورة الزمر: الآية 42 .
3 - سورة النحل الآية 28، والآية 32 منها .
4 - سورة السجدة: الآية 11 .